الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٨٧كَمَا يَفْهُمُ رَسُولُ اللهِ لا اله الوَحْيَ، لا فِي حَالِ كَلَامِ جِبْرِيلُ بَلْ عِنْدَ تمَامِهِ (1)، فيَنْتَهِي جِبْرِيلُ بِمَا أَوْحَى تَمَامِهِ (1)، الله (2) علَى المَلَائِكَةِ كُلَّما مَرَّ بِسَمَاءٍ سَأَلَهُ أَهْلُها: ماذَا قَالَ رَبُّنَا؟ قالَ: الحَقِّ فَيَنْتَهِي بِهِ حَيْثُ أُمِرَ)) (3). وقيل: كتَبَتْه الملائكَةُ مِنَ اللَّوْح المحْفُوظ وجَاءَتْ بهِ إِلَى جبْرِيلَ ال يَرَوْنَهُ ولا يَعْلَمُونَ مِنْهُ
حَرْفًا، وإِذَا أَرَادَ إِنْزَالَ شَيْءٍ انْكَشَفَ لَهُم.
وقيل: علَيْهِ سِتْرُ إِذَا أَرَادَ إِنْزالَ شَيْءٍ أزالَ الحِجابَ عنْ ذلِكَ الشَّيْء، والقولانِ لا يُنَاسِبَانِ إنْزَالَهُ مَرَّةً إلى سَمَاءِ الدُّنيا بَلْ هُما فِي مُطْلَقِ الوَحْيِ. وكَلَامُ اللهِ المَنزَّلُ قِسْمانِ الأَوَّلُ: قال اللهُ لِجِبْرِيلَ: قُل لِلنَّبيء الذِي أُرْسِلْتَ إِلَيْهِ إِنَّ اللهَ يَقولُ لك: كذا وكذا وأَمَرَ بكَذَا وَكَذَا، فَفَهِمَ جبريل ما قالهُ ربُّهُ، ثُمَّ نزَلَ عَلَى ذَلِكَ النَّبِيءِ، وَقَالَ لَهُ مَا قَالَهُ رَبُّهُ ولَوْ بِالْمَعْنَى، كما يقُولُ المَلِكُ لِمَنْ يَثِقُ بهِ: قلْ لِفَلَانٍ يَقُولُ لكَ المَلِكُ اجْتَهِد في الخِدمَةِ وَاجْمَعْ جُنْدَكَ الْقِتَالِ، فإِنْ قالَ الرَّسُولُ: يقولُ لَكَ المَلِكُ لا تَتَهَاوَنْ في خِدْمَتِي وَلَا تَتْرُك الجُنْدَ يَتَفَرَّقُ وحنَّهُمْ على الْقِتَالِ، لا يُنْسَبُ إِلى كَذِبٍ وتقصير في أدَاءِ الرّسالة (4).
والثَّانِي: قالَ اللهُ لجِبْرِيلَ: اقْرَأْ عَلَى النَّبيء هذا الكتاب أو هذا الكَلامَ، فَنَزَلَ بِكَلامِ اللهِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرِ كمَا يَكْتُبُ المَلِكُ كتابًا ويُسلّمه إلى أَمِينٍ ويَقُولُ: اقْرأْهُ علَى فُلانٍ، أَو أَوْصِل هذا الكلامَ بِعِيْنِهِ، فهو لَا يُغيِّرُ منه كَلِمَةً ولا حَرْفًا (5).
والقُرآنُ هو القِسْمُ الثَّاني والأَوَّلُ هو السُّنَّةُ كما رُوِيَ [145 ظ] أنَّ جبريل ينزِلُ بالسُّنَّة كما يَنْزِلُ بالقرآنِ (6). قال الزُّهري: الوَحْيُ ما يوحي الله إلى نَبِيءٍ مِنْ أَنْبِتَائِهِ فَيُثَبِّتُهُ في قَلْبِهِ فَيَتَكَلَّمُ بِهِ ويَكْتُبُهُ وهُوَ كَلامُ اللهِ يَعْنِي كتبهُ المُنَزَّلَةُ. ومِنْهُ ما لا يَتَكَلَّمُ بهِ ولا يَكْتُبُه لِأَحَدٍ ولا يَأْمُرُ بِكِتَابَتِهِ، ولَكِنْ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ ويُبَيِّنُ لَهُمْ أَنَّ اللهَ أَمَرَهُ أَن يُبيِّنَهُ لِلنَّاسِ وَيُبَلِّغَهُمْ إِيَّاهُ (7).
وقيل: بُعِثَ وهو ابْنُ خَمْسٍ وأَرْبَعِينَ سَنَةً لِسَبْع وعِشْرِينَ مِنْ رَجَب (8).
قالت عائشة
رضِيَ
الله عنها: ((أَوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الوَحْيِ الرُّؤيا الصَّادقةُ في
النوم، فكانَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبح، وكانَ يَأْتِي حرَاء فيَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَّيَالِي ذَوَاتِ العَدَدِ،
(1) العبارة للمؤلّف.
(2) العبارة للمؤلّفِ. في شرح المواهب، وفتح الباري: به.
(3) فتح الباري، ابن حجر، 538/ 8 ورد بلفظ قريب، مجمع الزوائد، الهيثمي، حديث (11288).
(4) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، 389/ 1.
(5) (م، س)، 389/ 1. (6) (م، س)، 390/ 1.
(7) (م، س)، 390/ 1، عن ابن أبي حاتم عن الزهري. ينظر: الإتقان، السيوطي، 128/ 1.
(8) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 390/ 1، عن مغلطاي في سيرته، ص 89.
386