إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٨٩

ويُروَى: "يَتَحَنَّفُ بالفَاءِ أَيْ: يتّبع الحَنِيفِيَّةَ دِينَ إبْرَاهِيم (1)، أو أبدل النَّاءِ مِنَ الحِنْتَ فَاءً كَجَدَتْ وجَدَف، وهُوَ يَتَعَبَّدُ اللَّيالي والأيَّامَ مَعَهَا، واقْتَصَرَ على ذِكْرِ اللَّيالي لاسْتِتْبَاعِها الأَيَّامَ.

وذكر البُخَارِيُّ ومُسْلِم عنه الا الله أَنَّهُ قال: ((جَاوَرْتُ بِحِرَاء شَهْرًا)) (2). وذكر ابن إسحاق أَنَّهُ شَهْرُ رَمَضَانَ ولَمْ يَصِحَ عَنْهُ أكثَرُ مِنْ شَهْرٍ، وروَى بَعْضُ (3) أَنَّهُ جاورَ أرْبَعِينَ يَوْمًا وقالُوا: إِنَّ هذا البَعْضَ مَتْرُوكُ الحَدِيثِ (4).

والجمهورُ علَى أَنَّهُ لَمْ يَتَعَبَّد قَبْلَ البِعْثةِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ، واختَارَ ابنُ الحَاجِبِ والبَيْضَاوِي تَعَبُّدَهُ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ فَقِيلَ: آدم، وقيل: نوحٌ، وقيل: إبراهيم، وقيل: موسَى، وقيل: عيسى، وقِيلَ: بِشَرْعِ مَنْ قبله دون تغيينٍ وقِيلَ: بِجَمِيعِ الشَّرائع، ونُسِبَ لِلْمَالكِيَّة، وقِيلَ: بِالْوَقْفِ (5).

(8)

والمذْهَبُ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قبلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا، فَلَيْسَ شَرْعًا لَهُ الله والأَصْلُ عَدَمُ الخصُوصِيَّةِ. وأنا أظُنُّ أنّ تَعْبُدَهُ ذِكرُ اللهِ بِحَسَبِ ما عَلَّمَهُ مِنَ الأَذْكارِ مِثْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ والحَمْدُ للهِ وسُبْحَانَ اللهِ. وذَكَرَ بعضُ قَوْمِنَا (5) أَنَّ الخلْوَةَ فيه تعبدٌ؛ لأنَّ الاِنْعِزالَ عن النَّاسِ عِبَادَةٌ وَلَا سِيَّمَا مَنْ كَانُوا على باطل، وقال ابن المرابط (7) وغَيْرُهُ: يَتَعَبَّدُ بالفِكْرِ وهذا على قَوْلِ الجُمْهُورِ) والمرادُ أَنَّهُ يأْخُذُ زادًا لبَعْضِ الشَّهرِ، ثُمَّ ينْفُدُ ويَأْخُذُ زادًا آخرَ لِلَيَالٍ أُخَرَ، وذلِكَ مِقدَارُ الشَّهْرِ وكانَ طَعامُهُم غَيْرَ كثِيرٍ، وغَالب طعَامِهِم اللبنُ واللَّحم، ولا يدَّخرُ منهما كفَايَةَ شَهْرٍ لسُرْعَة فَسَادِهِ، ولا سيَّما أَنَّهُ يُطْعِمُ مَن يَرِدُ عَلَيْهِ.

وإِنَّما الانْقِطاعُ الدَّائمُ عن الأَهْلِ ليْسَ مِنَ السُّنَّةِ؛ لأنَّهُ الله لَمْ يَنقَطِعْ بالغَارِ [146 ظ] بالكلية بل قَدْ يُرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ لِيَأْنَسُوا وَلِضَرُورَتِهِم.

ومَعْنَى فَجِتَهُ الحَقُّ: بَغَتَهُ الوَحْيُ وهُوَ حَقٌّ مِنَ اللهِ أَوْ رَسُول الحَقِّ

وهُوَ جِبْرِيلُ العليا، واتَّفَقُوا أَنَّهُ جاءَهُ في حَرَاء وَلَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ جِبْرِيلُ حِينَئِذٍ بَلْ بَعدُ بإخبارِ ورَقةَ أو إخبارِ جبريل اللي. واقْرَأْ: أَمْرُ لِمُجرَّدِ التنبيه والتَّيَقُظِ لما سيُلقَى إِلَيْهِ أو المَعْنَى تَهَيَّأ للْقِراءَةِ. وقِيلَ: إنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وأَنَّهُ تَكْلِيفٌ لِمَا

(1) (م، س) 392/ 1، عن سيرة ابن هشام، 235/ 1.

(2) صحيح البخاري، حديث (4922) وصحيح مسلم حديث (257)، واللفظ لمسلم.

(3) سوار بن مصعب كما في شرح المواهب. (4) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 392/ 1.

(5) (م، س)، 392/ 1.

(6) هو الزرقاني، كما في شرح المواهب.

(7) ابن المرابط: القاضي أبي عبد الله محمد بن خلف بن سعيد المري، ولي قضاء مندة، كانَ من أهل الفِقهِ والفَضلِ والتفنن، له في شرح البخاري

كتاب كبير، رحل إليه النَّاسُ وسمعوا منه، توفّي بالمدينة بعد الثمانين وأربعمئة. الديباج، ابن فرحون، 240/ 2.

(8) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 392/ 1.

388