إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٩٠

لَا يُطاقُ ولَوْ أَطَاقَ بَعْدُ. وهَلْ سَلَّم قَبْلَ قَوْلِهِ: "اقْرَأْ" استظهر (1) أَنَّهُ لَمْ يُسَلَّمْ؛ لِأَنَّ المُقْصُودَ تَفْخِيمُ الأَمْرِ وَتَهْوِيلُهُ وَابْتِدَاءُ السَّلامِ مُتَعَلِّقٌ بالبَشَرِ لَا المَلائِكَةِ، وتَسْلِيمُهُم علَى إِبْرَاهِيمَ لِأَنَّهم كانُوا عَلَى صورَةِ البَشَرِ فَلا يَرِدُ هُنَا، ولا سلامهم علَى أَهْلِ الجنَّةِ؛ لأنَّ أُمورَ الآخِرَةِ مغايرة لأُمورِ الدُّنيا غالِبًا (2).

نَعَم روَى أَبُو دَاوُد أَنَّ جبريلَ سَلَّمَ أَوَّلا، لَكِنْ لَمْ يَرِدْ أَنَّهُ سَلَّمَ عِنْدَ الأَمْرِ بالقِرَاءَةِ (3).

وفِي رِوايَةٍ ((مَا أُحْسِنُ أَنْ أَقْرَأَ)) بَدَلَ "ما أَنَا بِقَارِي " (4).

ومعنى غطَّنِي: ضَمَّنِي وعَصَرَني وروى الطبري وابنُ إسحاق: "فغتَنِي" (5) أَيْ: حَبَسَ نَفَسِي، وروَى أبُو دَاوُد:" فَأَخَذَ بِحَلَقِي" (6).

ومَعْنَى "ما أَنَا بِقَارِئ": لَسْتُ مِمَّنْ يَقْرَأُ لِأَنِّي لَمْ أَتَعَلَّم القِرَاءَةَ، وإنَّما هِيَ بِالتَّعَلُّمِ وَلِذَا كَرَّرَ غَطَّهُ لِيَسْتَفْرِغَ منْهُ البَشَرِيَّة، ويُفْرِغَ فِيهِ مِنْ صفاتِ المَلَكِيَّةِ (7).

والغَطُّ ثلاث في الحديثِ، وفي روايَةٍ: غَطَّانِ. وَكَرَّرَ الأَمْرَ بالقراءَةِ ثَلَانَّا إِشَارَةً إِلى ثَلَاثَةِ القَوْلِ

والعَمَل والنِّيَّة، وأنَّ الوَحْيَ يَشْتَمِلُ على ثلاثَة: التَّوحِيدُ والأَحْكَامُ والقَصَصَ (8). وانْتَزَعَ شُريح القاضي (9) التّابعي، وقيل: هُوَ صَحَابِي مِنَ الحَدِيثِ أَن لَا يُضْرَبَ الصَّبِيُّ فَوْقَ

ثلاث على القُرآنِ، كَمَا غَطَّ جِبريلُ اللَ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللهِ ل ثلاث (10). واحْتَجَّ مَن قالَ: البَسمَلَةُ لَيْسَتْ آيَةً مِنْ كُلِّ سورَةٍ بِقَوْلِ جبريلَ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ. قُلتُ: الجَوَابُ أنَّ مَن رَوَى الحَدِيثَ اكتَفَى بذِكْرِ ما تَمْتَازُ بِهِ، كما تقُولُ: قَرَأَ الحَمْدُ للهِ"، وقَرَأَ كَهيعص وتُريدُ مَعَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَكَذَا هُنَا أَرَادَ الرَّاوِي، فالمَرَادُ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِي فقَالَ جبريل: بِسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ إِلَى مَا لَمْ يَعْلَمْ، وَيَفْهَم رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ أَمَرَهُ جبْرِيلُ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ إِلخ، وهكذَا المَذهَبُ.

(1) لعلها الظاهر كما في شرح المواهب. (2) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، 393/ 1.

(3) الطيالسي، المسند، حديث (1643). (4) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 393/ 1. (5) سيرة ابن هشام، 236/ 1.

(6) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، 394/ 1، ورواية أبي داود الطيالسي في المسند، حديث (1643).

(7) (م، س)، 394/ 1.

(8) (م، س)، 394/ 1.

(9) شريح القاضي: أَبُو أُمَيَّةَ بنُ الحَارِثِ الكِنْدِيُّ، قيل له صحبة، ولم يَصِحَ، حَدَّثَ عن عمر وعلي وعبد الرحمن بن أبي بكرٍ، حَدَّثَ عنه قيس بن

أبي حازم، والشَّعبي. سير أعلام النبلاء، الذهبي، 100/ 4.

(10) الروض الأنف للسهيلي، 262/ 2 وشرح الزرقاني على المواهب اللدنية 394/ 1، وفيه: لا يضرب الصبي إلا ثلاثا على القرآن.

389