الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٩٢لهُ: أَنْشِدُكَ الله أَلَا مَا أَخْبَرْتَنِي هَلْ عِنْدَكُم علمٌ مِنْ جبريل؟ فقال عَدَّاسُ: قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ، يا سَيِّدَةَ نِساءِ
أَهْلُهَا أَهْلُ أَوْثَانٍ؟ فَقَالَتْ: أَخْبِرْنِي بِعِلْمِكَ فيهِ، قال:
عن
قُرَيْش، ما شَأْنُ جبريل يُذكَرُ بهذِهِ الْأَرْضِ التي ا هو أَمِينُ اللهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ النَّبِيئِينَ وهُوَ صاحبُ موسَى وَعِيسَى فَرَجَعَتْ مِن عِندِهِ (1). ثُمَّ انطَلَقَتْ بهِ حَتَّى أَتَتْ بهِ ورَقَةَ، وكان كارِها لعبَادَةِ الأَوْثَانِ، فَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ يَسْأَلُ الدين فأعْجَبَه النَّصرانيَّة، لَعَلَّه لَقِيَ مَن بقِيَ مِنَ الرُّهبانِ على دِينِ عيسى، وكان يَكْتُبُ بِالْعَرَبِيَّةِ والعِبْرَانِيَّة لسانًا وحُرُوفًا، ولَيْسَ الإِنْجِيلُ عِبْرَانيًّا على المشْهُورِ، وقال التَّيْمِي (2): هُوَ عِبْرَاني والتَّوراةُ عِبْرَانِيَّة والإِنْجِيلُ سُرْيَاني. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: إِنَّهُ تَهَوَّدَ ثُمَّ تنصَّرَ، وإنَّما ذَكَرَ الكتابة دونَ الحِفْظِ لأنَّ التَّوْرَاةَ والإِنجِيلَ لا يَتَيَسَّران للحفظ (3).
وإِنَّما سَمَّتْ رسولَ اللهِ [147 ظ] صلى الله عليه وسلم ابنْ أخِي ورَقَةَ؛ لأنَّ الأبَ الثَّالث لورقة هُوَ عبد العزى، وهُوَ الأَحُ لِلْأَبِ الرَّابع لِلْمُصْطَفَى الهلال وهو عبد مناف، كأَنَّها قالَتْ: مِنْ ابْنِ أَخِي جدِّكَ، فهو مجاز بالحذف، أو لأَنَّ والد رسول الله الله عبد الله في عَدَدِ النَّسَبِ إِلى قُصَيّ الذي يَجْتَمِعانِ فِيهِ سَوَاءٌ، فكانَ مِنْ هذِهِ الحَيْثِيَّة في دَرَجَةِ إِخْوَتِهِ، أو قَالَتْهُ على سَبِيلِ التَّوقِيرِ لِسِنِهِ (4). والناموس: صاحِبُ السِّرِ مُطْلَقًا عنْدَ الجُمْهُورِ وهُوَ الصَّحيحُ، وقِيلَ: لا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى سِرِّ الخَيْرِ، وأما صاحبُ الشَّرِ فَجَاسُوس. وقال ابنُ دُرَيْد: النَّاموس صاحِبُ سَرِ الوَحْيِ والمراد جبريل، وأهْلُ الكتابِ يُسَمُّونه النَّامُوسُ الأَكْبَرُ (5).
وقال وَرَقَةُ: الذِي يَأْتِيكَ هوَ الذِي أُنْزِلَ على موسَى، ولَمْ يَقُلْ علَى عِيسَى مَعَ أَنَّهُ نَصْرَانِي تَحْقِيقًا للرسالة؛ لأنَّ نزولَ جبريل على موسَى متَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أهْلِ التَّوْرَاةِ والإنجِيلِ، بِخِلَافِ عِيسَى فَكَثِيرٌ مِنَ اليهودِ يُنْكِرُ نبوءَته. أو لاشْتِمالِ كتاب موسَى على أَكْثَرِ الأَحْكامِ، ككِتَابِ نَبِيئِنَا مُحَمَّد، بِخِلَافٍ الإنجيل فأَمْثَالٌ ومَوَاعِظُ. أو لِأَنَّ النَّصَارَى يَتَّبِعونَ أحكامَ التَّوراةِ ويَرْجِعُون إليها، أَوْ لِأَنَّ مُوسَى بُعِثَ بالنِّقْمَةِ عَلَى فَرْعَوْنَ وأَتبَاعِهِ بِخِلافِ عيسَى، وكذلكَ وَقَعَت النِّقمَةُ عَلَى يَدِهِ صلى الله عليه وسلم لِفِرْعَوْنَ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَبِي جهل ومَنْ مَعَهُ ببدر (6).
(1) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، 397/ 1، رواية عن موسى بن عقبة وغيره.
(2) التيمِي: سُلَيْمَانَ بنِ طَرْحَانَ التَّيْمِيُّ، نُسِبَ إِلَى تَيْمِ؛ لِنُزُولِهِ فِيْهِم، حَدَّثَ عَنْ: أنس بن مالك وطاووس، حدَّث عنه ابنه المعتمر وسفيان وشعبة،
ت: 143 هـ. سير أعلام النبلاء الذهبي، 195/ 6
(3) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، 397/ 1، بتصرف.
(4) (م، س)، 398/ 1.
(5) (م، س)، 399/ 1.
(6) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، 399/ 1.
391