إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٩٤

إلَى ظهورِ أَمْرِ النُّبوءَةِ. لَكِنْ ذَكَرَ ابن إسحاق أنَّ ورقَةَ كَانَ يَمُرُّ بِبِلال يُعَذِّبُ، وهُوَ صِرِيحٌ فِي حَيَاتِهِ إلَى ظُهُورِ أَمْرِ الوَحْيِ والنُّبوءَةِ، ودُخُولِ بَعْضِ النَّاسِ في الإِسْلامِ، ويُجْمَعُ بِأَنَّ المَرَادَ مَاتَ قَبْلَ اشْتِهَارِ الإِسْلَامِ، والأَمْرِ بالجِهَادِ.

وذَكَرَ حُسَيْنُ بنُ مُحَمَّد أَنَّهُ مَاتَ فِي السَّنةِ الثَّالثةِ مِنَ النُّبوءَةِ، وقيل الرَّابِعَة (1) وقَالَ الوَاقِدِي:

مَاتَ بعْدَ الهِجْرة مقْتُولًا بِبِلَادِ لَحْمٍ وجُذَام قِيلَ: وهُوَ غَلَط؛ لأنَّ قَبْرَهُ بِمَكَّةَ (2). ولَعَلَّهُ لا يَصِحُ أَنَّهُ يَذْهَبُ إِلى أَعَالِي الجِبَالِ ليُلْقِيَ نَفْسَهُ منْهَا حُزْنًا عَلَى انْقِطَاعِ الوَحْيِ حِينَ انْقَطَعَ إِلَّا أَنَّهُ ثَبَتَ فِي الكُتُبِ الصِّحاحِ.

وفي بَعْضِها وهو كِتَابُ ابن سعد عن ابْنِ عَبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَكَثَ أَيَّامًا بَعْدَ مَجِيء الوَحْيِ لا يَرَى جِبريل ال، فَحَزِنَ حُزُنًا شَدِيدًا حَتَّى كَانَ يَغْدُو إِلَى ثَبِير مَرَّةً وإِلَى حِرَاء أُخرَى يُرِيدُ أَن يُلْقِي نَفْسَهُ (3). الجوَابُ أَنَّهُ أَشْفَقَ أَنْ تَكُونَ فَتْرَةُ الوَحْيِ لِأَمْرِ مِنْهُ فَعُوقِبَ بِذَلكَ فَذَهَلَ عَقْلُهُ لِذَلِكَ. قِيلَ: ولَمْ يَرِدْ شَرْعٌ بالنَّهي عنْ قَتْلِ الإنسانِ نَفْسَهُ (4). قلْتُ: هذَا لَا يُقْبَلُ لأَنَّهُ مِمَّا يُعلم بالعقل تَحْرِيمُهُ وأَنَّهُ مِن مَسَاوِئِ الأَخْلَاقِ. وقِيلَ: فَعَلَ ذلِكَ لِضيقِ قَلْبِهِ بتكذيب قومِهِ لَهُ حَتَّى صَارَ كَالوَلَهَانِ. وقِيلَ: حَزِنَ على ما فَاتَهُ مِنْ بِشَارَةِ ورَقَةَ ولَمْ يُخَاطَبْ عن اللهِ بأنَّهُ رَسُولُ اللهِ ومَبْعُوثُ إِلَى عِبَادِهِ. ويُبْحَثُ بأنَّ في مُرْسَل عُبَيْد بن عُمَيْر عن ابن إسحاق أَنَّهُ نادَاهُ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ وأَنَا جَبْرِيلُ، بعْدَ الغَطِ وقَبْلَ أن يَأْتِيَ إِلَى خَدِيجَةَ (5).

وفي كِتَابِ ابنِ سعد عن ابْنِ عَبَّاس: بَيْنَمَا هُو عَامِدٌ لِبَعْضِ تِلْكَ الجِبَالِ، إِذْ سَمِعَ صَوْتًا فَوَقَفَ فَزِعًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا جِبْرِيلُ عَلَى كُرْسِيّ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ مُتَرَبِّعًا يقولُ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللهِ حَقًّا وأنَا جِبْرِيل (6). وفي قَوْلِهِ: ((خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي)) إِشْكَالْ فَقَالَ أَبُو بَكْر أَحْمَدُ بنُ إِبْرَاهِيمَ الإِسْمَاعِيلي الجُرْجَانِي (7): هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَا ضَيْرَ فِيهِ؛ لِجَوَازِ أَنَّ هَذِهِ الخَشْيَةَ قَبْلَ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ العِلْمُ الضَّروري بِأَنَّ الذِي جَاءَهُ مَلَكٌ مِن عِنْدِ اللهِ [148 ظ] وأَشَقُّ شَيْءٍ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ: مَجْنُونٌ، يَكْرَهُ ذَلِكَ فِي

(1) تاريخ الخميس، الديار بكري، 287/ 1.

(2) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 402/ 1.

(3) الطبقات الكبير، ابن سعد، 166/ 1. (4) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 402/ 1. (5) (م، س) 402/ 1.

(6) (م، س) 402/ 1، والطبقات الكبير، ابن سعد، 166/ 1.

(7) أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ إِبْرَاهِيم الجُرْجاني الإسماعيلي الشافعي، شيخ الشّافعيّة، أخذ عن الحسن بن سفيان وأبي يعلى الموصلي وابن خزيمة، وحَدَّثَ عنه أبو سعيد النقاش وغيره، صنَّف تصانيف منها: مسند عمر، المستخرج على الصحيحين، ت 713 هـ. سير أعلام النبلاء، الذهبي، 292/ 16.

393