الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٩٥نفسِهِ ولمَّا يَقُولُوهُ وسيقُولُونَهُ إذا دَعَاهُم إلى الإيمان، أو عَلِمَ بنُورٍ أَوْدَعَهُ اللهُ في قلبِهِ أَنَّهُ يُقالُ عَلَيْهِ
بَعْدُ (1)
وذَكَرَ بعض أنَّهُ
خشِيَ الجنون، وأن يكونَ ما جاءَ بهِ من جنس الكهانة، قال ابنُ العَرَبِيّ: وهذا
القَوْلُ بَاطِلٌ (2).
قال السُّهَيْلِي: لَمْ يَرَ الإسماعليّ أنَّ هذا مُحَالٌ في مبْدَأ الأَمرِ؛ لأنَّ العِلْمَ الضَّروري لا يحصُلُ
دُفْعَةً واحِدَةً وضَرَبَ مثلًا بِبَيْتِ شِعْرِ تسمَعُ أَوَّلَهُ ولا تَدْرِي أَنَظْمٌ هوَ أم نثر، فإِذا اسْتَمَرَّ الإنشادُ عَلِمْتَ قطعًا أَنَّهُ قصد به الشعر، كذلك لما استمرَّ الوَحْيُ واقْتَرَنَتْ بهِ القرائِنُ المُقْتَضِيَةُ للعِلْمِ القَطْعِي عَلِمَ
من
أنَّهُ
اللهِ، وقَدْ أَثْنَى الله عليه بهذا العِلم فقال: لامَنَ الرَّسُولُ إلى قوله: وَرُسُلِهِ (3) وقيل: إِنَّ خَشْيَتَهُ مِنْ قَوْمِهِ أَن يقْتُلُوهُ، مع أنَّهُ موقِنٌ بأنَّ ذَلِكَ وَحْى مِنَ اللهِ ولكنَّهُ يَخْشَى الأَذَى لأَنَّهُ بِشَرٌ، لكن يهوّنُ عَلَيْهِ الصَّبْرُ في ذاتِ اللهِ كُلَّ خَشيَةٍ ويَجْلبُ إِلى قَلْبِهِ كُلَّ شجاعةٍ (4). وقيل: خشِيَ الموتَ مِن شدَّةِ الرُّعبِ وقيل خشِيَ تعييرهم، واختارَهُ ابنُ حجَر وقال: هو أَسْلَمُ مِنَ الاعتراض والارتياب (5).
وقيل: خَشِيَ المرضَ، وجَزَمَ بهِ ابن أبي جمرة وقيل: خَشِيَ دوامَ المرض وقيل: خافَ الْعَجْزَ عَن رُؤيةِ المَلَكِ مِنَ الرُّعب وقِيلَ: خافَ مفَارَقَةَ الوَطَنِ وقيل: خاف عدَمَ الصَّبرِ على أذى قومه، وقيل: خافَ تَكْذِيبَهُم وقِيلَ: خافَ مَقَاوَمَةَ هذَا الأَمْرِ، وحَمْلَ أعْبَاءِ النُّبوءَةِ أَن تَزْهَقَ نفسُهُ أو ينْخَلِعَ قلبُهُ؛ لشِدَّةِ مَا لَقِيَهُ أَوَّلًا عند لقَاءِ المَلَكِ. وقيل: إِنَّ ذلكَ خاطِرُ خَوْفٍ زالَ فِي حِينِهِ واعْتُرِضَ بأنَّهُ اسْتَقرَّ وحَصَلَت المرَاجَعَةُ فِيهِ. وقال عياض: هذَا أَوّلَ ما رأَى التَّباشِيرَ في النَّوم واليقظَةِ وسَمِعَ الصَّوتَ قَبْلَ لِقاءِ المَلَكِ وَتَحَقُّقِ رِسَالَةِ رَبِّهِ، وأمَّا بعدَ أَنْ جَاءَهُ بالرّسالة فلا يجوزُ عَلَيْهِ الشَّكُ، واعتُرضَ بأنَّهُ خلافُ بعْدَ الغَطِ، وَقَوْلِهِ: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ" وأجِيبَ بأَنَّ مُرَادَهُ إِخْبَارُهَا لِمَا حَصَلَ لَهُ لَا أَنَّهُ خَافَ حَالَ
الإخبار (6).
صَرِيحٍ
الحَدِيثِ
بأنَّ هذا
قال السهيلي: لمَّا قالَ لَهُ ثلاثا: ما أنَا بِقَارِئ قال: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ" أَيْ: لَا بِقُوَّتِكَ وَلَا بِمَعْرِفَتِكَ، بل بِحَوْلِ ربِّكَ وإعانَتِهِ، فَهُوَ يُعلّمُكَ كما خلقَكَ، ونَزَعَ عَلَقَ الدّمِ ومَغْمَزَ الشَّيْطَانِ مِنْكَ في الصَّغَر،
(1) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 403/ 1.
(2) (م، س) 402/ 1، عن ابن حجر، فتح الباري، 24/ 1.
(3) سورة البقرة: 285.
(4) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية،404/ 1 عن السهيلي الروض الأنف، 270/ 2.
(5) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 404/ 1، عن ابن حجر، فتح الباري، 24/ 1.
(6) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 404/ 1.
394