إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٩٩

((فرعبْتُ منه)) (1) بدَلَ " فَلَمْ أَثْبُتْ لهُ" وهو معْنَاهُ، بَقِيَتْ فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنَ الفَزَعِ الأَوَّلِ وزَالَتْ بالتَّدْرِيحِ (2).

وفي "البُخاري" في بدء الوحْيِ: ((زَمِّلُونِي زَمِلُونِي)) (3) وذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ، رَكْعَتَانِ بالغَدَاةِ ورَكْعَتَانِ بِالْعَشِيّ ثُمَّ فُرِضَتْ وأَمَّا الخَمْسُ فَلَيْلَةَ الإِسْرَاءِ. ولَمْ يَكُنْ حِوَارُهُ لِطَلَبِ النُّبوءَةِ؛ لأَنَّهُ وَلَوْ عَلِمَ بالبِشَارَةِ الحَاصِلةِ قَبْلَ ولادَتِهِ وإِخْبَارِ الكَهَنَةِ وبَحِيرَى وغَيْرِهِمْ بِأَنَّهُ نَبِيءُ آخِرِ الزَّمَانِ، لَكِنْ صَانَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ عن اعْتِقَادِ ما يُخالِفُ ما عِنْدَ اللهِ تعالَى مِنْ أَنَّهُ لا تُنالُ بِطَلَبِ، فَإِنَّهُ قَبْلَ النُّبوءَةِ مُنْشَرِحُ الصَّدْرِ بالتَّوْحِيدِ والإيمَانِ، وكَذَلِكَ الأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِم السَّلامُ، وهِيَ أَجَلُ مِنْ أَنْ تُنَالَ بالطَّلبِ والكَسْبِ، وإِنَّمَا هِيَ عَطِيَّةٌ يَخُصُّ بهَا اللهُ مَنْ يَشَاءُ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَلَتِهِ (4) والوَلايَةُ أَيْضًا لَا تُكْسَبُ عِنْدَ بَعْضٍ، أَعْنِي كونَهُ بِمَقَامِ أَنَّهُ وَلِيٌّ للهِ، وشَدَّدَ بَعْضُ قومِنا عَلَى مُدَّعِي أَنَّ النُّبُوءَةَ كسْبِيَّةٌ بِأَنَّهُ يُكَفَّرُ، وأَنَّ مُدَّعِي كَسْبِ الوَلَايَةِ مُبْتَدِعْ (5).

والوَاضِحُ أَنَّ رسُولَ اللهِ الله خاف جبْرِيلَ، كما هُوَ ظَاهِرٌ أَوَّلًا. وقالَ بَعْضُ: إِنَّهُ أَجَلُ مِن ذَلِكَ وأَثْبَتُ جَنَانًا، وإِنَّما ذَلِكَ فَرَحٌ بِحَالِهِ وإقباله علَى رَبِّهِ، خَشِيَ أَنْ يَشْتَغِلَ بِغَيْرِ اللهِ عَنِ اللهِ (6). وفي روايَةٍ: قالَتْ خَديجَةُ لأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: اذْهَبْ بِهِ إِلَى وَرَقَةَ فَفَعَلَ فَقَصَّ عَلَيْهِ ما رأى (7). فتَارَةً ذهَبَتْ بهِ إِلَى وَرَقَةً بنَفْسِها، وتارةً أَذْهَبَتْ أَبَا بَكْرٍ بِهِ صلى الله عليه وسلم وَتَارَةً ذَهَبَتْ بِهِ إِلَى عَدَّاسٍ بِمَكَّة وتَارَةً سافَرَتْ بهِ إِلَى بَحِيرَى، والأَخِيرُ أَغْرَبُ رَوَاهُ التّميمي (8) وذَلكَ مِن شِدَّةِ اعْتِنَائِهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهَا. ولَمَّا ذَهَبَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ بِأَمْرِها إلى وَرَقَةَ قالَ: ((إِذَا خَلَوْتُ وَحْدِي سَمِعْتُ نِدَاء: يا مُحمَّد فَأَنْطَلِقُ هَارِبًا؛ أَيْ: خَوْفًا مِنَ الجِنِّ فَقالَ وَرَقَةُ: لا تَفْعَلْ إِذَا قَالَ فَائبُتْ حَتَّى تَسْمَعَ ثُمَّ ايتِنِي فَأَخْبِرْنِي فلَمَّا خلا نادَاهُ يا مُحَمَّد، فَتَبَتَ، فَقَالَ: قُلْ بِسْـ حم الله الرّحمن الرّحيمِ الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العلمين) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) إلى آخِرِ الفاتِحَة، ثُمَّ قَالَ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) (9) واحْتَجَّ بذلِكَ مَنْ

الْعَلَمِينَ

(1) صحيح البخاري، حديث (4) وفي مواضع أخرى. (2) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 409/ 1. (3) صحيح البخاري، حديث (3238). (4) سورة الأنعام: 124.

(5) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 410/ 1.

(6) المواهب اللدنية، الزرقاني، 201/ 1.

(7) (م س) 201/ 1، عن البيهقي، دون ذكر المصدر.

(8) في شرح المواهب: التيمي؛ أي سليمان بن طرخان. وهو الأصوب ينظر: عمدة القاري، العيني، 64/ 1.

(9) ورد بلفظ قريب، دلائل النبوة، البيهقي، 158/ 2.

398