الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٠٤الفَصْلُ الثَّانِي: مَرَاتِبُ الْوَحْيِ
الأُولَى: الرُّؤيا الصَّادِقَةُ قَبْلَ النُّبوءَةِ أو بعْدَها تقرر ما بَعْدَها، فكان كَمَا مَرَّ لَا يَرَى رُؤيا إِلَّا جَاءَتْ مثل فَلَقِ الصُّبح، كما مَرَّ عن عائشةَ، واستَدَلَّ السُّهيلي وغَيْرُهُ على أنَّها مِن الوَحْيِ بِقَولِ إبراهيمَ: إِنّ
أَرِى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ (1) الآية فالوحي يأْتِيهِم نوْمًا كما يَأْتِي يقظَةً (2).
وروى ابنُ إسحاق إنَّهُ أَتاه جبريل لَيْلَةَ النُّبوءَةِ وغَطَّهُ ثَلَاثًا وقرَأَ عَلَيْهِ أَوَّلَ سُورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ (3) ثُمَّ أتاهُ وفَعَل ذلِكَ مَعَهُ يَقَظَةً (4).
وذَكَرَ البُخَارِيُّ عَنْ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْر: ((رُؤْيَا الْأَنْبِنَاءِ وَحْيّ وقَرَأَ: يَبُني (5)) (6). قال ابنُ إِسحاق عنه: جَاءَنِي جِبْرِيلُ وأَنَا نَائِمٌ بِنَمَطِ مِنْ دِيبَاحِ فِيهِ كِتَابٌ فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: وَمَا أَقْرَأُ؟ فَغَطَّنِي حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ الْمَوْتُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ)) (7) وذكر بقيَّةَ الحديثِ. الثَّانِيةُ: إِلْقَاءُ الشَّيْءٍ فِي قَلْبِهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَيْرِ أَن يَرَاهُ. وحَقِيقَةُ الوَحْيِ هنا الإِعْلَامُ في خَفَاءٍ أَو الإِعْلَامُ بسُرْعَةٍ وشَرْعًا: الإعْلَامُ بالشَّرِعِ وهو يعْلَمُ بأَنَّهُ وَحْيٌ، وهو غَيْرُ الإِلْهَامِ الذِي ليسَ بوَحْيِ، قال: ((إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَت (8) في رُوعِي لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللهَ وأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، ولا يَحْمِلَنَّ أَحَدَكُم استِبْطاءُ الرِّزْقِ أَنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِإِطَاعَتِهِ)) (9) وفي الحديثِ: إِنَّ الحَرَامَ رِزْقٌ (10) وإِنَّ الطَّلَبَ لا يُنَافِي التَّوكُل. والرُّوعِ بالضَّمِّ: النَّفْسُ. ورُوحُ القُدُسِ: جبريل، وسُمِّيَ روحًا لأَنَّهُ يأْتي بدِينِ اللهِ؛ لأنَّه يَحْيَى بِهِ القَلْبُ كالطَّعام والشراب لِلْجسم، وأُضِيفَ للقُدُسِ؛ أي: الطُّهر لِأَنَّه مَجْبُولٌ علَى النَّزاهة مِنَ العُيوبِ، والملائكةُ عليْهِمُ السَّلامُ كذلِكَ طَاهِرُونَ، إِلَّا أَنَّهُ أَتَمُّ فَحُصَّ بذلك الاسم، أعْنِي بِلَفْظِ القُدُس لِذلِكَ أَوْ لِأَنَّهُ يَأْتِي مِنَ اللهِ بِالدِّين
(1) سورة الصافات: 102.
(2) الروض الأنف، السهيلي، 257/ 2. (3) سورة العلق: 1.
(4) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية،420/ 1، لم أقف عليه في سيرة ابن هشام.
(5) سورة الصافات: 102.
(6) صحيح البخاري، حديث (138).
(7) تاريخ دمشق، ابن عساكر، 12/ 63، وسيرة ابن هشام، 236/ 1.
(8) هكذا في الأصل، ولم ترد في كتب الحديث، وضبطها ابن دريد في الجمهرة بالمثناة الفوقية (رعو).
(9) حلية الأولياء،26/ 10، وزاد المعاد ابن القيم، 77/ 1، صححه الألباني، صحيح وضعيف الجامع، حديث (2085).
(10) هو قول أهل السنة، كما في عمدة القاري، العيني،
268/ 2
403