الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤١٠لَهُ (1) وأَمَّا التَّعبيرُ الذِي عَبَّرْتُ عنه بالظهور فتَفْسِيرٌ، وذَلِكَ التّرائِي قَدْ يُطْلَقُ عَلَى البُرُوزِ وَلَوْ بِلَا رُؤيَةٍ. وكَانَ يَأْتِيه بالكَلِمَةِ يُخاطِبُهُ بها، وبفِعْلِ وأَدَبِ ثُمَّ قرن بهِ جبريل فجاءَهُ بالقرآنِ والوَحْيِ ولَمْ ينْقَطِعْ عنه جبريل فيمَا قِيلَ بِالكُلِّيَّةِ، بل رُبَّما أَتَاهُ بِخِلَافِ إِسْرَافِيلَ، فلا يُفَارِقُهُ في المدَّةِ. والمشْهُورُ أنَّ إسرافيل قُرِنَ بِهِ قَبْلَ النُّبوءَةِ، وأَنْكَرَ الواقدي كونَ غَيْرِ جِبْرِيلَ قُرِنَ بهِ واخْتَارَهُ الشَّامِي (2) وَلَا سِيَّما أَنَّهُ قِيلَ: حَدِيثُ الشَّعْبِي مُرْسَل أَوْ مُعْضَل (3).
ثُمَّ إِنَّهُ عُدَّت المُرْتَبةُ السَّادِسَةُ بِاعْتِبَارِ مَحَلَّ الإِيحاءِ أَنَّهُ السَّماءُ لا الأَرْضُ، ولا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ تُعَدَّ بقاعُ الْأَرْضِ لِأَنَّا عَدَدْنَا الْأَرْضَ كُلَّها بُقْعَةً وعَدَدْنَا السَّماوات وما فوقها بُقْعَةً، والسَّمَاوَاتُ وما فَوقَها مَحَلُّ غَيْبِ بِخِلَافِ الْأَرْضِ فَهِيَ نَوْعٌ عَلَى حِدَة.
وزِيدَتْ مرْتَبَةٌ ثامِنَةٌ هِيَ العِلمُ الذِي يُلْقِيه اللهُ تَعَالَى فِي قَلْبِهِ وعَلَى لِسانِهِ عِندَ الاجْتَهَادِ فِي الأحْكامِ علَى الْقَوْلِ بأَنَّهُ يَجْتَهِدُ وإِنَّما عُدَّ اجْتَهَادُهُ مِن مَرَاتِبِ الوَحْيِ لِأَنَّهُ إِذَا اجْتَهَدَ أَصَابَ الحَقَّ عِنْدَ اللهِ، فَيَبْقَى بلَا بَيَانٍ لهُ مِنَ الله جل وعَلَا كَمَا يَقعُ لِلْمُجْتِهِدِ مِن النَّاسِ يُخْطِأُ في بَعْضِ الأَحْيَانِ ولا يَدْرِي ولا يُعاقَبُ. ولا يُعدُّ مَجِيتُهُ علَى صُورَة غَيرِ دِحْيَة مِنَ النَّاسِ قِسْمًا آخَرَ، كَمَا يَجِيءُ على صُورَةِ أَعْرَابِيّ أو غَيْرِ أَعْرَابِيِّ لَا يُعْرَف بَلْ تُعَدُّ رُؤيتُهُ على صُورَةِ دِحيةَ ورُؤيَتُهُ على صُورَةِ غَيْرِهِ مِن النَّاسِ قِسْمًا واحِدًا. كما جاءَ في حدِيثِ الإيمانِ أَنَّهُ لا يُرَى عليْهِ أَثَرُ السَّفرِ، وأَنَّهُ لا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنَّا، ودِحْيَةٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُم. واقْتَصَرَ النَّاظِمُ على [155 و] مراتِبَ ثَلَاثٍ؛ لِأَنَّهَا الغَالِبُ كَمَا مَرَّ عَلَى أَنَّ البَيْتَ هَكَذا: وَلَازَمَكَ
النَّامُوسُ إِمَّا بِنَفْثِهِ بالتَّاء المثلثة لا بالسِّينِ.
وأَشَارَ إِلَى أَنَّ المَرَادَ الغَالِب بِقَوْلِهِ: "ولازَمَكَ" علَى أَنَّهُ يُمكِنُ أَن يَكُونَ المُرَادُ لازَمَكَ عَلَى الصُّورَةِ التي تَعْلَمُ مِنْهَا حِينَ المَجِيءِ أَنَّهُ وَحْيّ، إِلَّا حَدِيث تَعْليمِ أَمْرِ الدِّين فَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ جِبْرِيلُ إِلَّا بعْدَ مَا وَلَّى. وَلِي فِي حَاشِيَةِ القَنَاطِرِ" (4) مبْحَثُ في هذا الحَدِيثِ.
ومنه: ((لمَّا أَدْبَرَ قَالَ: رُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا)) (5) وفي حديثِ أَبِي عَامِرٍ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ
(1) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية /431/ 1، ولم يقل الزُّرقاني إنَّ ابن التين من أهل سفاقص.
(2) سبل الهدى والرشاد، الشَّامِي، 310/ 2. (3) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 431/ 1.
(4) حاشية القناطر: مخطوط للمؤلّف، حاشِيَة وضعها على كتاب قناطر الخيرات، لإسماعيل بن موسى الجيطالي (ت: 750 هـ) في مكتبة القطبِ نسخة منه بالرَّمز: (أ- و 5 ج 1). وله أيضا حاشية القنطرة الثانية، وحاشية القنطرة الثَّالِثَة. منه نسخة في مكتبة القُطب بالرمزين (أ-و 5 ج 2) و (أو 5) حاشيتان على نفس الكتاب.
وللمؤلف حاشية أخرى على القناطر بالرَّمزِ: (أو (51) لم يكمل تأليفها، فقد اقتصر فيها على أبواب من الكتاب لم يتمها، وهي غير الحاشية التي أشار إليها هنا. فهرس مخطوطات خزانة مؤلفات الشيخ أمحمد بن يوسف أطفيش، ص 143، و 181. (5) صحيح البخاري، حديث (50).
409