الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤١١بِيَدِهِ ما جَاءَنِي قَطُّ إِلَّا وَأَنَا أَعْرِفُهُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ المَرَّةَ) (1) وفي رِوايَةِ سُلَيْمان التّيمِي (2) وابْنِ حبَّان: ((والذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا شُبِّهَ عَلَيَّ منذُ أَتَانِي قَبْلَ مَرَّتِي هَذِهِ، وَمَا عَرَفْتُهُ حَتَّى وَلَّى)) (3). وذَكرَ السُّيُوطِيّ أنَّ المَلَكَ يَأْتِيهِ في النَّوم (4). وهَلْ نَزَلَ عليهِ فِيهِ قُرْآنٌ؟ والأَشْبَهُ أَنَّهُ نَزَلَ كلُّهُ يَقَظَةً، ولَفظُ مسْلِم وأبي داود والنَّسَائِي: ((عَن أَنَسٍ بَيْنًا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَظْهُرِنَا إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِمًا، فَقُلْنَا: مَا أَضْحَكَكَ يا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: أُنْزِلَ عَلَيَّ آنفا سُورَةٌ فَقَرَأَ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ: (5) إِلَى آخِرِها)) (6)، ففَهِمَ بَعْضُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْإِغْفَاءِ؛ لأَنَّ) رُؤيَا الأَنْبِنَاءِ حَقٌّ وَوَحْيٌ. قُلْتُ: لَيْسَ المُرَادُ بالغَفْوَةِ حقِيقَةُ النَّوْمِ الخَفِيفِ بَلْ شَيْءٍ يُشْبِهُهَا. وقالَ بَعضُ قَوْمِنَا إِنَّهُ خَطَرَ له فِي النَّومِ سُورةُ الكَوْثَرِ المُنَزَّلَةُ في اليَقَظَةِ، أو عُرِضَ عَلَيْهِ الكَوْثَرُ الذِي نَزَلَتْ فِيهِ السَّورَةُ، فَقَرَأَهَا عَلَيْهِم وفَسَّرَها لَهُم ثُمَّ رَأَيْتُ هذا البَعْضَ قالَ: أَو الإِعْفَاءَةُ لَيْسَتْ نَوْمًا، بَل هي البرُحَاءُ التي تَعْتَرِيهِ عِنْدَ الوَحْي. ورَأَيْتُ السّيوطِي أَيْضًا: قال كَوْنُها البَرْحاءِ أَصَحُ (7). وكلامُهُمَا عَيْنُ ما قُلْتُ، والحَمْدُ للهِ. وقَوْلُهُ: (أُنْزِلَتْ عَلَيَّ (آنِفًا)) كالنَّصّ فِي أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ قَبْلُ.
عَلَيهِ
ومن مَراتِبِ الوَحْيِ قِيلَ: تَصَوُّرُهُ بصُورةِ الفَحْلِ مِنَ الإِبِلِ فَاتِحًا فَاهُ لِيَلْتَقِمَ أَبا جَهْلٍ لَمَّا شَكَاهُ الأَرَاشِي إِذْ مَنَعَهُ مِنْ ثَمَنِ إِبِلِهِ، وقَدِ اشْتَراهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ الله. ووَلَمَّا أَرَادَ أَبُو جَهْلٍ إِلْقاءَ الحَجَرِ في سُجُودِهِ، وأَخْبَرَهُ جبريل إنِّي جِبريلُ. وذكر ابن المنير (8) أنَّ الحالَ يَخْتلِفُ في الوحْيِ فَإِنْ نَزَلَ بِخَيْرٍ وبِشَارَةٍ وغَيْرِهَا مِمَّا لَيْسَ بِوَعِيدٍ، نَزَلَ بصُورَةِ الآدَمِيّ وخَاطَبَهُ بِلَا كَةٍ فِي تَلَقِّي الوَحْيِ، وَإِنْ نَزَلَ بِوَعِيدٍ كَانَ كَصَلْصَةِ [155 ظ الجَرَسِ
(9)
(1) مسند أحمد، حديث (17167).
(2) سليمان بن طرخان التيمي، البصري: ت:143 هـ. سير أعلام النبلاء، 196/ 6. (3) صحيح ابن حبان، حديث (173). شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 435/ 1،
(4) الإتقان، السيوطي، /129.
(5) سورة الكوثر: 1. (6) صحيح مسلم، حديث (53).
(7) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 435/ 1. وقول السيوطي في الإتقان، 66/ 1.
(8) أَحْمَد بْن مُحَمَّد بن منصور القاضي، العلامة، ناصر الدين، ابن المنير الجذامي، الإسكندراني، المالكي، ت: 683 هـ، أخو زين الدين علي. له ديوان خُطب وتفسير حديث الإسراء، وتراجم صحيح الْبُخَارِيّ، والاقتفاء في فضائل المصطفى، وقد وليّ قضاء الإسكندرية وخطابتها مرتين. تاريخ الإسلام، الذهبي، 491/ 15، ومعجم المؤلفين، رضا كحالة، 299/ 1.
(9) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 436/ 1.
410