الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤١٤نَسَحْهُ بِقَوْلِهِ: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ (1) أَيْ: صَلُّوا ما تَيَسَّرَ لَكُمْ، ثُمَّ نسَحْهُ بِإِيجَابِ الخَمْسِ لَيْلَةَ
الإِسْرَاءِ. والذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ عَنهُ لا اله القَولِهِ تَعَالَى: فَتَهَجَدْ بِهِ نَافِلَةٌ لَكَ (2). وأُجِيبَ بأَنَّ النَّسْخَ بعْدَ الآيَةِ ولكن الصَّحيح عدَمُ النَّسخ عنه، وهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِي، وإِنَّما نُسِخَ الوجُوبُ عَن أُمَّتِهِ.
في
وذِكْرُ الوضُوءِ في ذلكَ يدلُّ على أَنَّهُ فُرِضَ قَبْلَ الإِسْرَاءِ لِأَنَّهُ قالَ: أَمَرهُ بالوُضُوءِ. قال السُّهيلي: فالوضُوءُ مَكِّيُّ الفَرْضِ مَدَني بالتّلاوة؛ لأنَّ آيةَ الوضُوءِ مَدَنِيَّةٌ، ولِتَقَدُّم فَرْضِهِ فِي مَكَّةَ قَالَتْ عَائِشَةُ قِصَّةِ عِقْدِها: فأَنزَلَ اللهُ آيةَ التَّيَمُّم، ولَمْ تَقُلْ آيَةَ الوُضوءِ وَهِيَ هِيَ (3). وتَقَدَّمَ أَنَّهُ فَتَرَ الوَحْيُ عَقِبَ بَدْئِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ فَقِيلَ: لِيَذْهَبَ عَنْهُ مَا وَجَدَ مِنَ الرُّوعِ ويَحْصُلَ التَّشَوقُ إِلى العَوْدِ. وجاءَ في حَدِيثٍ مُسْنَدٍ أَنَّ الفَتْرَةِ سَنَتَيْن ونِصْفًا وعن ابْنِ عَبَّاسٍ: فَتْرَةُ الوَحْيِ كَانَتْ أَيَّامًا وفي "تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسِ" كانتْ أَرْبَعِينَ وقَالَ الزَّجَاج وابنُ الجَوْزِيّ: خَمْسَةَ عَشَر يَوْمًا. وفي "تَفْسِيرِ مُقَاتِل" ثلاثَةَ أَيَّام، ويُجْمَعُ بأنَّها كانَتْ سَنَتَيْن ونِصْفَا فَمَنْ قالَ: ثَلَاثَةَ جَبَرَ الكسْرَ، وَمَنْ قالَ: سَنَتَانِ الْغَاهُ والمُرادُ بأَرْبَعِينَ فمَا دُونَهَا مُدَّةَ الانْقِطاع بِحَيْثُ لا يَأْتِيهِ فِيهَا إسرافيل ولَا جِبْرِيلُ اخْتُلِف فَأَقَلُّها ثلاثَةُ أَيَّامٍ وأكثَرُها أَرْبَعُونَ، وفي بعضها خَمْسَةَ عَشَرَ وبَعضُهَا اثْنَيْ عَشَرَ (4). ورَوَى أَحْمَد ويعقُوبُ بنُ يُوسُف (5) عن الشَّعْبِيّ وهُوَ مِنَ التَّابِعِينَ: أُنزِلَتْ عَلَيْهِ النُّبُوءَةُ وهو ابْنُ أَرْبعِينَ سَنَةً، فقُرِنَ بنُبوءَتِهِ إِسْرَافِيلُ ثَلَاثَ سَنِينَ، ولَمْ يَنْزِل القرآنُ علَى لِسَانِهِ [156 ظ] لأنَّ إِنزَالَ الكتب الإلَهِيَّةِ مِنْ خَصَائِصِ جِبْرِيل (6).
وقالَ مسْلِمُ والنَّسائي والحاكِمُ عن ابنِ عَبَّاس: ((بيْنَمَا رَسُولُ اللهِ جالس وعِنْدَهُ جِبْرِيلُ إِذْ سَمِعَ نَقِيضًا مِنَ السَّمَاءِ مِنْ فَوْق فَرَفَعَ جَبْرِيلُ طَرَفَهُ إِلَى السَّماءِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَذَا مَلَكٌ قَدْ نَزَلَ لَمْ يَنْزِلَ إِلَى الْأَرْضِ قَطُّ فَجَاءَ إِلَى النَّبي صلى الله عليه وسلم فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُما لَمْ يُؤْتَهُما نَبِيءٌ قَبْلَكَ، فَاتِحَةِ الكِتَابِ وخَوَاتِمِ سورَةِ البَقَرَة (((7) قالَ جَمَاعَةٌ: هذَا المَلَكُ إِسْرَافِيل (8).
(1) سورة المزمل: 20
(2) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 440/ 1.
(3) (م، س)، 440/ 1، وينظر: الروض الأنف، السهيلي، 287/ 2.
(4) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 440/ 1 - 441.
سير
(5) في شرح المواهب: يعقوب بن سفيان. وهو الفسوي محدث إقليم فارس له "تاريخ كبير، ومشيخته في مجلد، ت: 772 هـ. أعلام النبلاء،
الذهبي، 180/ 13.
(6) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 441/ 1، وفتح الباري، ابن حجر، 27/ 1، ورواية أحمد في العلل ومعرفة الرجال، 337/ 2.
(7) صحيح مسلم، حديث (254).
(8) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 442/ 1.
413