الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤١٥قُلْتُ: لَمْ يَنْزِلْ بهِمَا إِسْرَافِيلُ بَلْ أَخْبَرَ أَنَّهُمَا سَيَنْزِلَانِ فَنَقُولُ: يَنْزِلَانِ بَتَوَسُّط جِبْرِيلَ أَوْ أَخْبَرَ بِعِظَمِ شأنهما، وقَدْ نَزَلا قَبْلَ جِبْرِيلَ، وقَد اسْتُدِلَّ بالحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُقْرَن بِهِ إِسْرافِيلُ ثَلَاثًا. قُلْتُ: لَعَلَّ هذَا فِي مَبْدَأ الوَحْيِ فَالقَرْنُ مِنْهُ لِمَا بَعْدُ إِلَى مُدَّة. وَكَذَا فِيمَا ذَكَرَ الطَّبراني عن ابْنِ عَمَر سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((لَقَدْ هَبَطَ عَلَيَّ السَّماءِ مَا هَبَطَ عَلَى نَبِيءٍ قَبْلِي وَلَا يَهْبِطُ على أَحَدٍ مِنْ بَعْدِي وَهُوَ إِسْرَافِيلُ وَعِندَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: أَنَا رَسُولُ رَبِّي إِلَيْكَ أمَرَنِي أَنْ أُخْبِرَكَ: إِنْ شِئْتَ نبِينًا عَبْدًا وإنْ شِئْتَ نَبِيئًا مَلِكًا، فَنَظَرْتُ إِلى جِبْرِيلَ مسْتَشِيرًا
مَلَكٌ مِنَ
في
فَأَوْمَأَ إِليَّ أَنْ تَواضَعْ فَقُلْتُ: نَبِينًا عَبْدًا فَلَوْ قُلْتُ: نَبِينًا مَلِكًا سارَت الجِبَالُ مَعِي ذَهَبًا)) (1). ثُمَّ اطَّلَعْتُ أَنَّ القَضِيَّتَيْنِ بعدَ ابْتِدَاءِ الوَحْيِ بِسَنَتَيْنِ كَمَا يُعْرَفُ مِنْ سَائِرِ طُرُقِ الحَدِيثِ. فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ إِسْرَافِيلَ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قَبْلَ الْوَحْيِ وَلَا بَعْدَهُ فِي المُدَّةِ المذْكُورَةِ، فَكَيْفَ يُقالُ: قُرِنَ بِهِ ثَلاثَ سِنِينَ قَبل أَوْ بَعْد. وقَوْلُ الشَّعبِي مُرْسَلٌ فيُقَدَّمُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَا سِيَّمَا قَدْ عُورِضَ لكِن قَوْلَ جَمَاعَةٍ أَنَّ المَلَكَ قِصَّةِ الفَاتِحَةِ وخَوَاتِم البَقَرَةِ، المذْكُورِ آنِفًا هُو إِسْرَافِيلُ لَا يَكُونُ حُجَّةً، والحَدِيثُ الذِي بَعْدَهُ لَعَلَّ المَرَادَ أنِّي لَمْ أَعْرِفْهُ نَازِلًا قَبْلُ بِعَيْنِهِ، فَإِنْ كَانَ إِسْرَافِيلُ فلم يعْلَم الذِي قُرِنَ بهِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ إِسْرَافِيل؛ إِذْ لَمْ يَرَهُ قَبْلَها، وهذَا عَلَى مَا ذَكَرْتُ أَنَّهُ اقْتَرَنَ بِهِ إِسْرَافِيلُ قَبْلَ نُزُولِ "اقرأ باسم ربك". ثُمَّ إِنَّه ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ: أَنَّهُ لَيْسَ المرادُ بفَتْرَةِ الوَحْيِ المَقَدَّرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، بَيْنَ نُزُولِ "اقْرَأْ" وَ "يَا أَيُّهَا المُدِّتِر"، عَدَمُ مَجِيءٍ جِبْرِيلَ إِلَيْهِ، بَلْ تَأَخُرُ نُزُولِ القُرآنِ فقط (2). وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ
العظيم.
84 وَصَلَّيْتَ
لقنلته
ثاني
وَصَلَّيْتَ نَحْوَ الْقِبْلَتَيْنِ تَفَرُّدًا وَكُلُّ تَفَرُّدًا وَكُلُّ نَبِيءٍ ما وصَلَّيْتَ يا رسُولَ اللهِ إِلَى الكَعْبَةِ وإلى بيت المقدس حالَ كَوْنِكَ مُتَفَرِّدًا وذَا تَفَرُّدٍ؛ أَيْ: اخْتِصَاصِ
بذلِكَ، وهُنا فَصْلَانِ.
[الفصل] الْأَوَّلُ:
كُل نَبِيءٍ لَهُ قِبْلَةٌ واحِدَةٌ لَا مُستَقْبَل ثَانِيَا لَه ومسْتَقْبَلُ بفَتْح البَاءِ: مَوْضِعُ اسْتِقْبَالِ. كَانَ يستقبل الكعْبَةَ وحْدَها حَضَرًا وسَفَرًا تارَةً، ومَعَ بَيْتِ المَقْدِسِ تارَةً بأَنْ يَجْعَلَ الكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَيْتِ المقدِسِ، وتارةً بَيْتَ المُقْدِسِ وَحْدَهُ [157 و] ثُمَّ فَرَضَ اللهُ عَلَيْهِ اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ.
(1) المعجم الكبير، حديث (13309).
(2) فتح الباري، ابن حجر، 27/ 1.
414