الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤١٧المقْدِسِ والكَعْبةُ بَيْنَ يَدَيْهِ (1). والجَمْعُ بَيْنَهُما مُمْكِنْ بأَنْ يَكُونَ أُمِرَ لَمَّا هَاجَرَ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى الصَّلاةِ لِبَيْتِ المُقْدِسِ وأَخْرَجَ الطَّبَرِي مِنْ
طرِيقِ ابن جريج: ((أَنَّهُ أَوَّلَ مَا صَلَّى النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم إِلَى الكَعْبَةِ ثُمَّ صُرِفَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ فَصَلَّى ثَلَاثَ حِجَجٍ ثُمَّ هَاجَرَ، وصَلَّى بَعدَ قُدُومِهِ المَدينَةَ سِتَّةَ عَشَرَ شهْرًا [157] ثُمَّ وَجَّهَهُ اللهُ إلى الكَعْبَةِ)) (2). وقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ الأَوَّلِ: ((أَمَرَهُ اللهُ)) يَرُدُّ عَلَى مَنْ قالَ: إِنَّه صَلَّى إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ بِاجْتِهادٍ. وما رُوِيَ عَنْ أبي العالية: أَنَّهُ صَلَّى إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ يَتَأَلَّفُ أَهْلَ الكِتَابِ، لَا يُنَافِى أَنْ يَكُونَ بِأَمْرِ اللهِ (3). بَلْ أَمَرَهُ اللهُ بِهِ تَأْلِيفًا. قالَ مُحَمَّدُ بنُ شَهَابِ الزُّهْرِيِّ: لَمْ يُهْبِط اللهُ نَبيئًا مُنْذُ هَبَطَ آدَمُ إِلَى الدُّنيا نَبِيئًا، إِلَّا جَعَلَ قِبْلَتَهُ
صَحْرَةَ بَيْتِ المَقْدِسِ ولَقَدْ صَلَّى إلَيْهَا نَبِيتُنا عَلَيْهِ الصَّلاة والسَّلَامُ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا (4). قالَ الغَزالي: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَسْتَقْبِلُ الصَّخْرَةَ مِنْ بَيْتِ المَقدِسِ مِدَّة مُقَامِهِ بِمَكَّةَ وَهِيَ قِبْلَةُ الأَنْبِقَاءِ وإيَّاها كانت اليَهُودُ تَسْتَقْبِلُ. وكان الله لا يُوثِرُهُ بأَنْ يَسْتَدْبِرَ الكَعْبَةَ، فَلَا يَقِفُ إِلَّا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَّيْنِ، ويَسْتَقْبِلُ جَنُوبَ الصَّخْرَةِ. فَلَمَّا هَاجَرَ إِلى المَدِينَةِ لَمْ يُمْكِنْهُ اسْتِقْبَالُهَا إِلَّا بِاسْتِدْبَارِ الكعبة، فشَقَّ عَلَيْهِ ذَلكَ فَنَزَلَتْ: فَوَلِ وَجْهَكَ (5) فيكُونُ بَعْدَ التَّحويل وجههُ إِلَى الحِجْرِ؛ لِأَنَّهُ في مُقابِلِ الجِدَارِ الذِي فِيهِ الرُّكْنَانِ اليَمَانِيَّانِ (6).
وذُكِرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ لال لاله زار بشر بن البَراء بن مغرور فِي بَنِي سَلَمَة فَتَغَدَّى هُوَ وَأَصْحَابُهُ. وَجَاءَت الظُّهرُ فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي مَسْجِدِ القِبْلَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهرِ نَحْوَ الشَّامِ، ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ وهُوَ رَاكِع في الركعة الثانية، فاسْتَدَارَ إِلَى الكَعْبَةِ ودَارَت الصُّفُوفُ خَلْفَهُ، ثُمَّ أَتَمَّ الصَّلاةَ، وسُمِّيَ مَسْجِد القِبْلَتَيْنِ (7)، وفي "النَّسَائِي" أَنَّهَا الظُّهرُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: العَصْرُ وهُو ظَاهِرٍ حَدِيثِ البَرَاءِ فِي "صَحِيح البُخَارِي (8). وأمَّا أَهْلُ قُبَاء فَلَمْ يَبْلُغَهُم الخَبَرُ إِلَى صَلَاةِ الفَجْرِ مِنَ اليَوْمِ الثَّانِي، كَمَا فِي صَحِيح
(1) سبق تخريجه مسند أحمد، حديث (2991). (2) جامع البيان، الطبري، 623/ 2.
(3) تاريخ الخميس، الديار بكري، المواهب اللدنية، القسطلاني، 244/ 1 - 245، فتح الباري، ابن حجر، 502/ 1.
(4) تاريخ الخميس، الديار بكري، 367/ 1. ينظر: إنسان العيون، 180/ 2. (5) سورة البقرة: 144.
(6) تاريخ الخميس، الديار بكري، 367/ 1 - 368، عن البيضاوي في حواشي أنوار التنزيل.
(7) تاريخ الخميس، الديار بكري، 368/ 1. ينظر الحديث في: كشف المشكل من حديث الصحيحين، ابن الجوزي، 247/ 2. وفيه: ((أم بشير بن
البراء)). (8) صحيح البخاري، حديث (40).
416