الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٢٢واستَنْبَطَ منهُ الطَّحَاوِي أَنَّهُ مَنْ لَمْ تَبْلُغُهُ الدَّعْوَةُ ولَمْ يُمْكِنْهُ اسْتِعْلَامٌ فَالفَرْضُ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ (1). وفيه جواز الاجْتِهادِ فِي زَمَانِهِ لا إِذْ رَبَّحُوا التَّمَادِي فِيهَا عَلَى قَطْعِهَا. قُلْتُ: وفيه نَظَرٌ لعَدَمِ وَقْتٍ يَقْبَلُ الاجْتِهَادَ؛ لِأَنَّهُم تَحوَّلُوا بَغْتَةً ولَعَلَّهُم تَحَوَّلُوا لِظاهِرِ وجُوبِ الْامْتِثَالِ عَلَى أَنَّهُ إِنْ قالَ لَهُم
النَّبِي الهلال أعِيدُوا، أَعَادُوا، أَوْ لِأَنَّ لَهُمْ عِلْمًا بالبَقَاءِ قَبْلَ ذَلِكَ بِتَعْلِيمِهِ لِأَنَّهُ مُرْتَقِبْ لِلتَّحْوِيلِ. وفِيهِ قُبُولُ خَبَرِ الوَاحِدِ، ووُجُوبُ العَمَلِ بهِ ونَسْخُ ما تَقَرَّرَ مِنَ العِلْمِ بِهِ، إِذْ ثَبَتَ عِنْدَهُم الصَّلاةُ لِبَيْتِ المُقْدِسِ. وأُجِيبَ بأَنَّ الخَبَرَ المَذْكُورَ احْتَفَتْ بهِ قَرَائِن أَفَادَت العِلْمَ بِصِدْقِ الخَبَرِ، فالنَّسِخُ بِمَا
أفَادَ عِلْمًا. وقِيلَ: النَّسْخُ بِخَبَرِ الوَاحِدِ جائز في زَمَانِهِ صلى الله عليه وسلم وإِنَّما يُمْنَعُ بَعْدَهُ. وَلَا دَلِيلَ لِهَذَا الْقَوْلِ. وذكر الطَّبَرِي مِنْ طَرِيقِ علي بن أبي طلحة عن ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا هَاجَرَ النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، واليَهُودُ أَكْثَرُ أَهْلِها، وهُمْ يَسْتَقْبِلُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ، أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِيَجْمَعَ لهُ بَيْنَ القِبْلَتَيْنِ وتَأْلِيفًا لِلْيَهُودِ فَفَرِحُوا ظَنَّا أَنَّهُ اقْتَدَى بِهِمْ، فَاسْتَقْبَلَهَا سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا (2). وكَذَا ذَكَرَ الرّبيع بن حبيب عنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عنْ جابر بن زيد عن ابْنِ عَبَّاسِ: إِنَّمَا اسْتَقْبَلَهُ سَبْعَةَ
عَشَرَ شَهْرًا (3) [159] وَكَانَ لا لا لا يُحِبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ. وعِنْد الطَّبَرِي مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِد عن ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ لا يُعْجِبُهُ أَنْ يَتَحَوَّلَ لِلْكَعْبَةِ لِأَنَّ اليَهُودَ قَالُوا: يُخَالِفُنَا مُحَمَّد ويتَّبِعُ قِبْلَتَنا (4).
(6) "
وعِندَ ابْنِ سَعْدٍ: أَنَّهُ) قَالَ يَا جِبْرِيلُ وَدِدْتُ أنَّ اللهَ صَرَفَ وَجْهِي عَنْ قِبْلَةِ يَهُود، فَقَالَ جِبْرِيلُ: إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَادْعُ رَبَّكَ وَسَلْهُ)) (5). وقالَ السَّدِي فِي النَّاسِخِ والمَنْسُوخ (()) عن ابْنِ عَبَّاس: ((كَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يُصَلِّي قِبَلَ الكَعْبَةِ لِأَنَّهَا قِبْلَةُ آبَائِهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْماعِيلَ. فَقَالَ لجِبريل: ودِدْتُ أَنَّكَ سَأَلْتَ اللهَ أَنْ يَصْرِفَنِي إِلَى الكَعْبَةِ. فَقَالَ: جبريل لسْتُ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَبْتَدِئَ الله له بالمَسْأَلةِ ولَكِنْ إِنْ سَأَلَنِي أَخْبَرْتُهُ)) فَكَانَ يدْعُو، أَيْ: دُعاءَ مَحَبَّةٍ وتَمَنْ لا بِاللّسانِ ويَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ يَنْتَظِرُ جِبْرِيلَ الله فَنَزَلَ: قَدْ نَرَى
(1) شرح مشكل الآثار، الطحاوي، 159/ 1.
(2) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية،246/ 2، عن الطَّبَرِي، جامع البيان، 623/ 2، وفيه: بضعة عشر شهرا. و 658/ 2، وفيه: ستة عشر شهرا. (3) مسند الربيع، حديث (189).
(4) جامع البيان، الطبري، 657/ 2، وليس فيه: " عنْ ابْنِ عَبَّاس: كَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يَتَحَوَّلَ لِلْكَعْبَةِ لِأَنَّ". (5) الطبقات الكبير، ابن سعد، 208/ 1.
(6) لم أقف على الكتاب، وليس للسدّي إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير أبو محمد (ت: 128 هـ) سوى التفسير، ولم أجد فيه الأثر.
421