الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٢٤زَفِي
قال ابنُ حَجَر فِي الفَتْحِ": قالَ ابنُ عَبَّاسٍ وغَيْرُهُ: كَانَ لا يُصَلِّي إِلَى بَيْتِ المُقْدِسِ، وَيَجْعَلُ الكَعْبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وأَطْلَقَ آخرونَ أَنَّهُ يُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَقَالَ آخَرُونَ: يُصَلِّي إلَى الكَعْبَةِ، ولَمَّا هَاجَرَ اسْتَقْبَلَ المُقْدِسَ. وهذَا ضَعِيفٌ ويَلْزَمُ مِنْهُ دَعوَى النَّسْحَ مَرَّتَيْنِ، والأَوَّلُ أَصَحُ؛ لأَنَّهُ يَجْمعُ بِهِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، وقَدْ صَحَّحَهُ الحاكِمُ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ (1) وَلَا يُخَالِفُهُ قَوْلُ ابْنُ العَرَبِيّ: نَسَخَ اللهُ القِبْلَةَ ونكاحَ المُتْعَةِ ولحُومَ الحُمُرِ الأَهْلِيَّة مَرَّتيْنِ، ولَا أَحْفَظُ رابعًا (2)، وزاد أبو العَبَّاس (3) الوُضُوءَ مِمَّا مسَّتْهُ النَّارُ؛ لِأَنَّ مرَادَ الحافظ ابنِ حَجَرٍ أَنَّ حُصُوصٌ نَسْخِ بَيْتِ المُقْدِسِ لَمْ يَتَكَررُ، ومَا أَثْبَتَهُ ابنُ العَرَبِيِّ النَّسِخُ لِلْقِبْلِةِ في الجُمْلَةِ، بِمَعْنَى أنَّهُ أُمِرَ بِاسْتِقْبَالِ الكَعْبَةِ، ثُمَّ نُسِخَ باستقبالِ بَيْتِ المُقْدِسِ ثُمَّ نُسِخَ بالكَعْبَةِ (4). وقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَمَرَهُ اللهُ" يَردُّ قَوْلَ الحَسَن البَصْرِيِّ أَنَّهُ صَلَّى إِلَى بَيْتِ المُقْدِسِ باجِتُهَادٍ. وَكَذَا قَوْلَ الطَّبَرِي: كان مُخَيَّرًا بينَهُ وبَيْنَ الكَعْبَةِ فَاخْتَارَهُ طَمَعًا فِي إِيمَانِ اليَهُودِ (5). ويرُدُّهُ أَيْضًا سؤاله لجِبْرِيلَ إِذْ لو كَانَ مُخيَّرًا لَاخْتَارَ الكَعْبَةَ لَمَّا أَحَبَّها مِنْ غَيْرِ سؤالٍ، إِلَّا أَنْ يُقالَ بَعْدَ اختيَارِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ، وهُوَ ضَعِيفٌ. والذِي عَلَيْهِ الجَمْهُورُ أَنَّهُ كانَ بِأَمْرِ اللهِ وَوَحْيِهِ (6). وعن أبي العالية: صلَّى رسُولُ اللهِ الله إلى بَيْتِ المُقْدِسِ يَتَأَلَّفُ اليَهُودَ. وعَنِ الزَّجَّاجِ امْتِحَانًا
لِلْمُشْرِكِينَ؛ لأَنَّهُم أَلِفُوا الكَعْبَةَ (7). وهَذا لَا يُنْفِي أَنْ يَكُونَ بِتَوْقِيفٍ فَقَدْ يَكُونُ الأَمْرُ بِهِ لِتَأْلِيفِهِم (8). ثمَّ إِنَّهُ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ فِي الطَّبَقاتِ": ((أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ فِي مَسْجِدِهِ بِالمُسْلِمِينَ في المَدِينَةِ، ثُمَّ أُمِرَ أَن يَتَوَجَّهَ إِلَى الكَعْبَةِ، فَاسْتَدَارَ إِلَيْهِ، والمُسْلِمُون فَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ مِنَ الظُّهرِ إِلَى الكَعْبَةِ)) () والنَّصُّ أَنَّهُ وقَعَ التَّحْوِيلُ فِي رَكُوعِ الثَّالِئَةِ فَجُعِلَتْ كلُّهَا رَكْعَةً لِلْكَعْبَةِ مَعَ أَنَّ قِيَامَهَا وقراءتها وابتِداءَ رَكُوعِهَا لِلْقُدسِ قِيلَ: لأنَّه لَا اعْتِدادَ بالركعَةِ إِلَّا بَعْدَ الرَّفْعِ مِنَ الركوع، ولِهَذَا يُدْرِكُها المَسْبُوقُ قبْلَهُ هذَا قَوْلُ قَوْمِنَا. ويُقالُ: إِنَّهُ لاله زارَ أُمَّ بِشْرِ بنِ البَرَاءِ بنِ مَعْرُور واسْمُها خليدة، في بني سلِمة بكَسْرِ اللَّامِ، فَصَنَعَتْ لَهُ طَعَامًا وحَانَ وَقْتُ الظُّهرِ فَصَلَّى بأَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أُمِرَ بِاسْتِقْبَالِ الكَعْبَةِ في رُكُوعِ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَدارُوا إِلَى الكَعْبَةِ بأَنْ تَحَوَّلَ الإِمَامُ إِلَى مُؤَخّرِ المَسْجِدِ، فَتَحَوَّلَت الرّجالُ
(1) فتح الباري، ابن حجر، 96/ 1. (2) المسالك في شرح موطأ مالك، 348/ 3.
(3) أبو العباس العزفي: أحمد بن محمد بن أحمد اللخمي السبتي، فقيه أخذ عن أبيه، وأخذ عنه أبو الحسن الرعيني الإشبيلي، وابن الأبار، آثاره برنامجه فيه شيوخه ومروياته عنهم وكتاب الدر المنظم في مولد النبي المعظم. برنامج شيوخ الرعيني، الرعيني، ص 42.
ت: 633 هـ، من (4) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 248/ 2. (5) ينظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 150/ 2.
(6) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 248/ 2. (7) ينظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 150/ 2. (8) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 248/ 2.
(9) الطبقات الكبير، ابن سعد، 208/ 1.
423