الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٢٧بَيْتِ المُقْدِسِ (1) بل يُتيبُكُم عَلَيْهَا. وليْسَ المُرادُ ما قِيلَ إِيمَانَكُمْ بالقِبْلَةِ المَنْسُوخَةِ. وَرَوَى البُخَارِيِّ عَنِ البراء: ((ماتَ على القِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّل رِجَالٌ وقُتِلُوا فَلَمْ نَدْرِ ما نَقُولُ فِيهِمْ فَأَنْزَلَ اللهُ: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنكُمْ (2)) (3) (4).
وفي ذِكْرِ القَتْلِ زِيَادَةٌ عَلَى العَشَرَةِ، فَلَعَلَّ بَعْضًا قُتِلَ في غَيْرِ جَهَادٍ إِذْ لَمْ يُفْرَضَ إِلَّا بَعْدُ ولَيسَ مشْهُورًا فَلَمْ يُعْرَفْ. وذَكَرَ ابن إسحاق أنَّ سويد بن الصامت لَقِيَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أَنْ يَلْقَاهُ الْأَنْصَارُ فِي الْعَقَبَةِ، فَأَعْرَضَ عَلَيْهِ الإِسْلامَ فَقَالَ: إِنَّ
هذَا القَوْلَ حَسَنٌ، وانْصَرَفَ إِلى المَدِينَةِ فَقُتِلَ بهَا في وقعة بُعَاثَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، فَكَانَ قَوْمُهُ يَقُولُونَ مَاتَ مُسْلِمًا (5). وإن قيل: المُرادُ مَنْ قُتِلَ بمكة مِنَ المسْتَضْعَفِين، كَأَبَوَيْ عَمَّار، احتِيجَ إِلَى إِثْبَاتِ أَنَّ مَوْتَهُم قَبْلَ الهِجْرَةِ (6).
ويُروى
أَنَّهُ لَمَّا حُوِّلَت القِبْلَةُ قال اليَهُودُ: اشْتَاقَ إِلَى بَلَدِ أَبِيهِ، وَهُوَ يُرِيدُ أَن يُرضِيَ قومَهُ قُرِيْشًا، ولَوْ ثَبَتَ عَلَى قِبْلَتِنا لَرَجَوْنا أَنْ يَكُونَ هُو النَّبِيء الذِي نَنْتَظِرُ أَنْ يَأْتِي. وقال المنافقون: "ما ولاهم عَنْ كانُوا عَلَيْهَا؟ " وقالَ كُفَّارُ قُرَيْشَ: تَحيَّرَ مُحَمَّدٌ على دِينِهِ فَاسْتَقْبَلَ قَبْلَتَكُم، وعَلِمَ أَنَّكُمْ
قِبْلَتِهم التي أَهْدَى مِنْهُ، ويُوشِكُ أَنْ يَدْخُلَ فِي دِينِكُمْ فَأَنْزَلَ اللهُ في اليَهُودِ: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ (7) عَلِمُوا مِن [161] أَنْبِنَائِهِمْ وَكُتُبِهِم أَنَّهُ نَبِيءٌ رَسُولٌ يَسْتَقْبِلُ
الكَعْبَةَ بَعْدَ المقدس. وقولُهُ تَعَالَى: وَلَبِنَ آتَيْتَ الذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ (8) وقوله تعالى: يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) يعرِفُونَهُ أَنَّهُ رَسُولٌ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَقِبْلَتُهُ الكَعْبَةُ، كَمَا يَعْرِفُونَ
(1) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 252/ 2، عن ابن إسحاق.
(2) سورة البقرة: 143.
(3) صحيح البخاري، حديث (40).
(4) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 252/ 2.
(5) ينظر: سيرة ابن هشام، 427/ 1.
(6) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 253/ 2، وفيه: قتلهما بعد الإسرار.
(7) سورة البقرة: 144.
(8) سورة البقرة: 145.
(9) سورة البقرة: 146.
426