الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤سَوْدَاءُ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بأَسْفَلِها فَيَجْعَلَهُ أَعْلَاهَا، ولَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقِهِ)) (1 والخميصةُ: كِساءٌ مِنْ صُوفٍ (2). قُلْتُ: يُؤْخَذُ مِنَ الحدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ جَعْل مَا سَفُل مِنَ التَّوبِ أَعْلَى. ثُمَّ رأَيْتُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ في الجَدِيدِ نقَلَ هذا الذِي هَمَّ بِهِ النَّبِيءُ مِنْ جَعْل الْأَسْفَلِ أَعْلَى واسْتَحَبَّهُ معَ التَّحويل المذكُورِ، فيحصُلُ التَنكِيسُ والتَّحويل معًا. وقال القُرطبي: إِنَّ الشَّافِعِيَّ اخْتَارَ فِي الجَدِيد تَنْكِيسَ الرِّداءِ لَا تَحْوِيلَهُ (3)؛ أي لأنَّهُ إنَّما حَوَّلَ الله بَعْدَ أن لَمْ يَجِد التنكيس، والمَوْجُودُ لَهُ في "الأم" استِحْبَابُهما، والجمْهُورُ على استِحْبَابِ التَّحويل بلا تنكيس لانْفِرَادِ رَاوِيهِ عمارة بن غزية عنْ عَبّاد (4).
قال القَسْطَلَّانِي: لا شَكٌّ أنَّ الذِي اسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِي أَحْوَطُ، وعن أبي حنيفة وبَعْض المالكية: لا يُسْتَحَبُّ شَيْءٌ مِن ذلك، واسْتَحَبَّ الجُمْهُورُ أَنْ يُحَوّلَ النَّاسُ بِتَحْوِيلِ الإمام، ويَدُلُّ لَهُ ما رَوَاهُ أَحَمْد مِن طَرِيقِ عبَّاد فِي هَذَا الحَدِيثِ ((وَحَوَّلَ النَّاسُ مَعَهُ)) (3) أَيْ: حَوَّلُوا أَرْدِيتَهُم مِعَ رَسُولِ اللهِ، وقال الليث بن سعيد وأبو يوسف: يُحوّلُ الإمامُ وَحْدَهُ، قال ابن الماجشون: لَا يُسْتَحَبُّ التَّحويل في حقِ النِّساءِ (6) وهُوَ وَجِيةٌ لأَنَّهُنَّ عَوْرَةٌ، ولَيْسَ التَّحويل بعد الفراغ مِنَ الاسْتِقاءِ.
ومعنى قوله: ((فَقَلَبَ رِدَاءَهُ)) أَنَّهُ حَوَّلَهُ في أَثْنَاءِ الاستسقاء. وفي رواية مالك: ((أَنَّهُ حَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ)) (7) ولِمُسلِم مِنْ رِوَايَةِ يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد: ((أَنَّهُ لَمَّا أرادَ أَنْ يَدْعُو اسْتَقْبَلَ القِبلَةَ وحَوَّلَ رِدَاءَهُ) ((8) ولَهُ مِنْ روَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَّادَ: ((فَقَامَ فَدَعَا الله قَائِمًا ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَ الْقِبْلَةِ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ)) (9) ففِي ذلكَ أَنَّهُ حَوَّلَ قَبْلَ الفَراغ. وحكمةُ التَّحويلِ التَّفاؤُلُ بتحوُّلِ الجدب إلى الخصب، وتعقبه ابنُ العربي [166 و] بأنَّ شرط الفال أن لا يقصد إليهِ وإِنَّما التَّحويل أمارة بينه وبينَ ربّهِ، قيل له ولو بإلهام: حوّل رداءَكَ ليتحوَّل حالك (10). ويبحث بأنَّ هذا ظنُّ لا يصِحُ بلا نقل.
(1) سنن أبي داود، حديث (1164). (2) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 117/ 11. (3) المواهب اللدنية، القَسْطلاني، 264/ 4. (4) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 118/ 11. (5) مسند أحمد، حديث (16465). (6) المواهب اللدنية، القَسْطَلَّاني، 264/ 4. (7) الموطأ مالك بن أنس، حديث (202). (8) صحيح مسلم، حديث (894). البخاري، حديث (1022)، ولم أجده في صحيح مسلم.
(9) صحيح
(10) المواهب اللدنية، القَسْطَلاني، 264/ 4.
437