الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥وقَصْد التَّفاؤُلِ وَرَدَ فيه حديث رجاله ثقات عندَهُم. أخرجه الدارقطني (1) والحاكم (2) من طريق
جعفر الصادق بن محمد بن عليّ زين العابدين بن الحسين عن أبيه محمد الباقر عن جابر بن عبد
الله، وربَّحَ الدَّارقطني إرساله بحذفِ جابر. وعلى كلّ حالٍ فهُوَ أولى من القول بالظَّنِ (3). وقيل: حَوَّلَ رداءَهُ ليكون أثبت على عاتِقِهِ عندَ رفع يدَيْهِ في الدُّعاء، فلا يكونُ سُنَّةً في كلّ حال (4). ويبحَثُ بأنَّ التَّحويل من جهة إلى جِهَةٍ لا يقتضي التُّبوتَ على العاتِقِ، فالحمل على المعنى الأوَّلِ أَوْلَى، فإنَّ الاتِّباعَ أولَى مِن تركِهِ لمجرَّدِ احتمالِ الخُصُوص.
والتَّحويل سُنَّةٌ ولو على ما قال ابن العربي، واستدلوا بقول عائشة: ((ثمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ)) بَعْدَ قولها: ((فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ)) (5) على أنَّ الخُطبَةَ فِي الاسْتِسْقَاءِ قَبْلَ الصَّلاةِ، وهُوَ مُقْتَضَى حَدِيثِ ابنِ عبَّاس: خرجَ حَتَّى أَتَى المُصَلَّى فِرَقِيَ المنبرَ)) ووقع في حديثِ أَحْمَد عَنْ عَبْدِ اللهِ بن زيد أَنَّهُ بَدَأَ بِالصَّلاةِ قَبْلَ الخُطبةِ، وكذا في حدِيثِ أبي هريرةَ عند ابن ماجه: ((فصلى بنا ركعتين بغير أَذَانٍ ولَا إِقَامَةٍ) () () () فيُقَدَّمُ كلٌّ مِنهُما؛ لأنّهُ صَرِيحٌ في تقديم الصَّلاةِ على المحتَمِل لتقديم الخُطْبَةِ. وربَّحَ الشَّافِعِيَّةُ والمالكيَّةُ الصَّلاةَ قبل الخطبة، وإليه رجَعَ مالك، ويجمعُ بأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم بَدَأَ بالدُّعاءِ ثُمَّ صلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خطب، فاقتصر بعضُ الرُّواةِ على شيءٍ وبعض على شَيْءٍ، وعبر بعض بالخطبة عن الدُّعاء.
وقال القرطبِيُّ: تُقدَّمُ الصَّلاة على الخُطبة لمشابهتها بالعِيدِ، ولتقديم الصَّلاةِ أمام الحاجَةِ (7).: وأمَّا كيفيَّةُ الرَّكْعَتَيْنِ فَأَخْرَجَ الدَّارقطني مِنْ حَدِيثِ ابنِ عَبَّاس أَنَّهُ يكبرُ فيهما سبعًا وخَمْسًا كالعيدين، وأنَّه يُقرأُ فيهما بسبح وهل أتاك (8). وفي إسنادِهِ مَقالٌ، لَكِنَّ أَصْلَهُ في السُّنَنِ الْأَرْبَعِ بلفظ: ((ثمَّ صَلَّى ركعَتَينِ كما يُصَلِّي في الْعِيدَيْنِ)) (9) فأخذ بظاهِرِهِ الشَّافِعِيّ فقال: يُكبِّرُ فِيهِما سبعًا وخمْسًا كالعِيدِ. وَلَمْ نَأْخُذ بهِ ولا مالِك لِضُعْفِ الرّوايَةِ المُصَرِّحَةِ بالتَّكبِيرِ، ولا تَصرِيحَ فِي غَيْرِها. وغلط من رؤى
عنِ الشَّافِعِي استحبابَ التَّكَبِيرِ حالَ الخُرُوجِ إليها. والله أعلم.
(1) سنن الدارقطني، حديث (1798).
(2) المستدرك على الصحيحين، حديث (1216). (3) المواهب اللدنية، القسطلاني، 264/ 4.
(4) فتح الباري، ابن حجر، 499/ 2.
(5) سبق تخريجه: سنن أبي داود، حديث (1173).
(6) سنن ابن ماجه، حديث (1268).
(7) فتح الباري، ابن حجر، 500/ 2.
(8) سنن الدارقطني، حديث (1800). (9) سنن أبي داود، حديث (1165).
438