إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٢

إِنَّهُ

وَغَرتَ عيالُنَا أي جاعُوا، وهَلَكَتْ مواشِينَا فَادْعُ رَبَّكَ أَنْ يُعْطِينَا غَيْئًا أَيْ: مَطَرًا، وغَوْنًا، أَيْ: عَوْنًا في لهفنا واحتياجنا، وتَشَفَّعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ويَشْفَعْ إِلَيْكَ رَبُّكَ. فقالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَيْلَكَ أَنَا شَفَعْتُ رَبِّي فَمَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ رَبُّنَا إِلَيْهِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وهُوَ أي: كرسِيُّهُ يبْطُ مِنْ عَظَمَتِهِ وجَلَالِهِ كَمَا يَنطُ الرَّحْلُ الجَدِيدُ، فقال: ((إِنَّ اللهَ يَضْحَكُ مِنْ شَفَقِكُمْ وقُرْبِ غِيَائِكُمْ فَقَالَ الأَعْرَابِيّ:

أوَ يَضْحَكُ رَبُّنَا يا رسولَ الله؟ قال: ((نَعَم)) فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: لَنْ نَعْدِمَ يا رسُولَ اللهِ مِنْ رَبِّ يَضْحَكُ خَيْرًا، فَضَحِكَ مِنْ قَوْلِهِ فَقَامَ فَصَعِدَ المِنْبَرَ وتَكَلَّمَ بكلمات، وكان له لا يَرفعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الدُّعاءِ إِلَّا فِي الاسْتِسْقَاءِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رُبِّيَ بَيَاضُ إِبِطَيْهِ، وَكَانَ مِمَّا حُفِظَ من دُعائِهِ: اللَّهمَّ اسْقِ بَلَدَك وبَهِيمَتَكَ وانْشُرْ رَحْمَتَكَ وأَحْي بلَدَكَ الْمَيْتَ، اللَّهُمَّ أَسْقِنَا غَيْنًا مُغِيئًا مَرِيئًا مَرِيعًا طَبَقًا واسِعًا عاجِلا غَيْرَ آجِلِ نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍ، اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ ولَا سُقْيَا عَذَابٍ ولَا هَدْمٍ [169 و] وَلَا غَرَقٍ وَلَا مَحْقٍ اللَّهُمَّ أَسْقِنَا الْغَيْثَ وَانْصُرْنَا عَلَى الْأَعْدَاءِ فقَامَ أَبُو لُبَابَةَ بَشِيرُ، وقِيلَ اسْمُهُ رِفَاعَةُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ التَّمْرَ فِي الْمِرْبَدِ، يَعْنِي يَخْشَى عَلَيْهِ الغَرَقَ والفَسَادَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((اللَّهُمَّ اسْقِنَا)) فقالَ: يا رَسُولَ اللهِ إِنَّ التَّمَرَ في المِرْبَدِ قالَ ذلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ) اسْقِنَا حَتَّى يَقُومَ أبُو لُبَابَةَ عُرْيَانًا يَسُدُّ ثَعْلَبَ مِرْبَدِهِ بإِزَارِهِ)) قال الرَّاوِي: فَلَا واللهِ مَا فِي السَّمَاءِ مِن قَزَعَة وَلَا سَحَابٍ ومَا بَيْنَ الْمَسْجِدِ وسِلْعٍ مِن بِنَاءٍ وَلَا فطَلَعَتْ مِنْ وَرَاءِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّماءَ انْتَشَرَتْ وهُمْ يَنْظُرُونَ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، فَوَاللهِ ما رَأَوْا الشَّمسَ سَبْتًا، وقَامَ أَبُو لُبَابَةَ عُرْيَانًا يَسُدُّ ثَعْلَبَ مِرْبَدِهِ بِإِزَارِهِ لئَلَّا يَخْرُجَ التَّمْرُ مِنهُ، فقالَ الرَّجلُ، أَيْ: الذِي سَأَلَهُ الاسْتِسْقاء، ولعلَّهُ خَارِجَةُ: هَلَكَت الأَمْوَالُ وانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَصَعِد صلى الله عليه وسلم الْمِنْبَرَ فَدَعَا وَرَفَعَ يَدَيْهِ مَدًّا حَتَّى رُبيَ بَيَاضُ إِبِطِهِ ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا ولَا عَلَيْنَا عَلَى الإِكَامِ والظَّراب وبطُونِ الأَوْدِيَةِ ومَنَابِتِ الشَّجَرِ، فَانْجَابَتِ السَّحَابَةُ كَانْجِيَابِ الثَّوْبِ)) (1). ويئطُ: يُصَوّتُ، وضَحِك اللهِ: بُدُو رَحْمَتِهِ وإِجْزَالُ مثُوبَتِهِ أَوْ إِظْهَارُ آيَة. وتَقَدَّمَ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي أَنَّهُ وَ لا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعاءِ إِلَّا في الاسْتِسْقَاءِ. قُلتُ: لَمْ يَرَ أَنَسٌ رَفْعَهُ فِي غَيْرِ الاسْتِسْقَاءِ وهو واقع. وأحَادِيثُ رَفْعِهِ فِي غَيْرِ الاسْتِسْقَاءِ كَثِيرةٌ جَمَعَهَا الْمُنْذِرِي فِي تَأْلِيفٍ مُفْرَدٍ لَهَا، وَذَكَرَ النَّوَوِي (2) في "شرحِ المُهذَّبِ" ثلاثِينَ حَدِيثًا، وأَفْرَدَها البُخَارِي بتَرْجَمَةٍ فِي كِتَابِ الدَّعواتِ وسَاقَ عِدَّةَ أَحَادِيثَ، والعَمَلُ بهَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمُ عَلَى النَّافِي، وَلَا يَلْزَمُ مِن انتِفاءِ رُؤْيَةِ أَنَسٍ بُطْلَانُ رُؤْيَة غَيْرِهِ (3).

دَارٍ

(1) الحديث في شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 133/ 11 - 138، عن دلائل النبوة، البيهقي، 143/ 6 وما بعدها.

(2) في الأصل: المهدب، وهو خطأ.

(3) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 135/ 11.

445