الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٤طَعَامٌ مِنْ وبَرِ الإِبِلِ والدَّمِ، يُتَّخَذُ لِسَنَةِ الجُوعِ فِي الجَاهِليَّةِ.
وأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِر عن جُلَهَمَةَ بنِ عُرفُطَة بِضَمّ الجِيمِ والعَيْنِ والفاء، وقَدْ تُفْتَحُ الجِيمُ: ((قدِمْنَا مَكَّةَ وهُم فِي قَحْطٍ وَاجْتَمَعُوا فَقَالَ قَائِل: اعْمِدُوا اللَّاتَ والعُزَّى، وقال قائِلُ: اعْمِدُوا مَنَاة. فقالَ شَيْخُ وسِيمُ الوَجْهِ جَيِّدُ الرَّأْي: أَنَّى توفكُونَ وفِيكُم بقيَّةُ إبراهِيمَ وسَدَنَهُ إِسْمَاعِيلَ؟ قَالُوا: كَأَنَّكَ عَنِيتَ أَبا طَالِبٍ، قال: أَيُّها فقَامُوا بِأَجْمَعِهِم فَقُمْتُ فَدَقَقْنا عليهِ البابَ فَخَرَجَ إِلَيْنَا فَثَارُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا: يا أَبَا طَالِبٍ أقْحَطَ الوَادِي وأَجْدَبَ العِيَالُ، وأَنْتَ فِيهِم أَمَا تَسْتَسْقِي. فخَرَجَ أبو طالب ومَعَهُ غُلَامٌ هُوَ النَّبِيءُ له تَجَلَّتْ عَنْهُ سَحَابَةٌ قَتْمَاءُ، وحَوْلَهُ أَغَيْلِمَة [170] فَأَخَذَهُ أبو طالِبٍ، فَأَلْصَقَ
كأَنَّهُ شَمْسُ دجن،
ظَهْرَهُ، أَيْ: ظَهْرَ الغُلامِ، بِالْكَعْبَةِ وَلَاذَ الْغُلَامُ بِإِصْبَعِهِ، أَيْ: أَشَارَ بِها إِلَى السَّمَاءِ، وَمَا فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ، فَأَقْبَلَ السَّحابُ مِن ها هُنَا وهَا هُنَا، وأَغْدَقَ السَّحَابُ واغْدَوْدَقَ؛ أَيْ: كَثُرَ مَاؤُهُ، وانْفَجَرَ لهُ الوَادِي وأَخْصَبَ النَّادِي والبَادِي. وَفِي ذلك يقولُ أَبُو طَالِبٍ: وَأَبْيَض يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ
من قصيدة هي ثَلَاثَةٌ وثَمَانُونَ بَيْتًا عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاق (1). وقِيلَ: هِيَ مِئَةُ بَيْتٍ وعَشَرَةُ أَبْيَاتٍ (2).
النَّوعُ الرَّابِعُ: اسْتِسْقَاوَّهُ مِن غَيْرِ صَلَاةٍ:
قال ابنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ قُريشًا أَبْطَوُوا عَن الْإِسْلَامِ فَدَعا عَلَيْهِم رَسُولُ اللهِ وقال: ((اللَّهُمَّ سَبْعًا كَسَبْع يُوسُفَ) وفي رواية: ((اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ)) (3) فَأَخَذَتْهُم سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيها وأَكَلُوا المِيْتَةَ والعِظامَ، ويَنْظُرُ أَحَدُهُم إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى الدُّخانَ مِنَ الجُوعِ. فجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّد جِئْتَ
تَأْمُرُ بِصِلةِ الرَّحِمِ، وإِنَّ قَوْمَكَ هَلَكُوا أَيْ: بِدُعَائِكَ عَلَيْهِم فَادْعُ اللهَ لَهُم، فَقَرَأَ: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَانِ السَّمَاءُ بِدُخَانِ) (5) ثُمَّ عَادُوا إلى كُفْرِهِم أَرادَ اجْبُرْ دُعَاءَكَ بِالشَّرِ بِالدُّعَاءِ بِالْخَيْرِ، أَوْ صِلَّ (4) رَحِمَكَ به، فابتَلاهُم بالبَطْشَةِ الكُبرَى حَرْبِ بَدْرٍ. زادَ أسباط بن نصر عن منصور بن المُعتمر عنْ أَبِي ضحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عن ابْنِ مَسْعُودٍ: ((فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ وَنَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّد إِنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللهَ لَهُم، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسُقُوا
(1) المواهب اللدنية، القسطلاني، 184/ 1، وشرح الزرقاني على المواهب اللدنية 355/ 1. القصيدة في سيرة ابن هشام، 276/ 1. (2) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 358/ 1.
(3) صحيح البخاري، حديث (4774). (4) سورة الدخان: 10.
(5) صحيح البخاري، حديث (1007).
447