الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٩قَوْمٍ أَسْلِموا فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطاءَ مَنْ لَا يَخَافُ الْفَقْرَ)) (1) وفِي رِوَايَةٍ: ((مَنْ لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ)) (2). وروى مسلم والترمذي من طريق سعيد بن المسيب عن صفوان بن أمية: ((لَقَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ
الله الله ما أَعْطَانِي وإِنَّهُ لَأَبْغَضُ النَّاسِ إِليَّ، فَمَا بَرحَ يُعطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ)) (3). قالَ الزُّهْرِيِّ: أَعْطَاهُ يوم حنين مئةً مِن الغَنَمِ ثُمَّ مِئَةً ثُمَّ مِئَةً وإِنَّما فَرَّقَ عَطَاءَهُ؛ لأَنَّهُ دَوَاءُ لِدائِهِ، والحكيم لا يعملُ الدَّواءَ دُفعَةً ليكونَ أقرب للشّفاء. وذكر الواقدي أنَّ النَّبِيء أعطى صفوان يومَ حُنَيْنٍ، أَيْ: وَهُوَ مُشْرِكٌ وادِيًا مَمْلُوءًا إِبلا ونَعَمًا. قالَ صَفْوانُ: أَشْهَدُ ما طَابَتْ بِهَذَا إِلَّا نَفْسُ [172 و] نَبِيءٍ (4). وإِنَّما قَالَ مَا طَابَتْ بالتَّاءِ؛ لأنَّ المرادَ ما طَابَتْ بِهَذَا نَفْسٌ إِلَّا نَفْسُ نَبِيءٍ. قال ابن جابر (5) الأَنْدَلُسِي: هَذَا الذِي لَا يَتَّقِي فَقْرًا إِذَا أَعْطَى وَلَوْ كَثُرَ الْأَنَامُ وَدَامُوا وَادٍ مِنَ الْأَنْعَامِ أَعْطَى آمِلًا فَتَحَيَّرَتْ لِعَطَائِهِ الْأَوْهَامُ (6) وإنَّما أعطاه ذلكَ لِعِلمِهِ الا الله بأنَّ داءَهُ لا يزولُ إلَّا بهذا الإحسانِ وزالَ، وهُوَ الكُفْرُ وأَسْلَمَ. وقَدْ مَرَّ وَصْفُ خدِيجَةَ لَهُ بِالْجُودِ، ورُوِيَ أَنَّها قَالَتْ لَهُ: إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وتَحْمِلُ الكَل
وتَكْسِبُ المعْدُومَ وتقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِين على نَوَائِبِ الحَقِّ
وتَصْدُقُ الحَدِيثَ وَتُؤَدِّي الأَمَانَةَ. وخرج ابنُ عَدِي بإسنادٍ فيهِ ضُعفٌ مِن حدِيثِ أَنَس مرفوعًا: ((أَنَا أَجْوَدُ بَنِي آدَمَ)) (7) ولَفْظُ أَبِي يَعْلَى عَنْ أَنَسٍ عَنْهُ: ((أَلَا أُخْبِرُكُم عَنِ الأَجْوَدِ اللهُ الْأَجْوَدُ وأَنَا أَجْوَدُ بَنِي آدَمَ، وَأَجْوَدُهُم مِنْ بَعْدِي رَجُلٌ تَعَلَّمَ عِلْمًا فَنَشَرَ عِلْمَهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ، وَرَجُلٌ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ حَتَّى يُقْتَلَ)) (8) فَهُوَ صلى الله عليه وسلم بِلَا رَيْبٍ أَجْوَدُ بَنِي آدَمَ عَلَى الْإِطْلَاقِ كَمَا أَنَّهُ أَفْضَلُهُم وأَعْلَمُهُم وأَشْجَعُهُم وأَكْمَلُهُم في جَمِيعِ الأَوْصافِ الحَمِيدَةِ. وَكَانَ جُودُهُ بِجَمِيعِ أَنْواع الجُودِمِن بَذْلِ الْعِلمِ وَالْمَالِ وَبَذْلِ نَفْسِهِ للهِ فِي إِظْهَارِدِينِهِ، كَمَاظَهَرَ يَوْمَ أُحُدٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْبَقِيَ بَيْنَ العَدُووَحْدَهُ، وَهِدَايَتِه عِبَادَهُ وإِيصَالِ النَّفْعِ
(1) صحيح مسلم، حديث (57).
(2) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 109/ 6.
(3) صحيح مسلم حديث (59).
(4) ينظر: شرح المواهب، 10/ 6، ولطائف المعارف، ابن رجب، ص 165.
(5) أبو عبد الله محمد أحمد بن
بن جابر الهواري الأندلسي، سبق تعريفه.
(6) الأبيات من الكامل، ينظر: المواهب، 366/ 2، وشرحها: 110/ 6.
(7) الكامل في ضعفاء الرجال، ابن عدي، 20/ 2.
(8)
مسند أبي يعلى، حديث (2790).