الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٠إِلَيْهِم بِكُلِّ طَرِيقِ مِنْ إِطْعَامِ جائِعِهِمْ،
ووَعْظِ جَاهِلِهِمْ وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ، وَتَحَمُّلٍ أَثْقَالِهِم (1). ولَقَدْ أَحْسَنَ ابن جابر إِذْ قَالَ:
يُحْكَى حَدِيثُ النَّدَى وَالْبِشْرِ عَنْ يَدِهِ وَوَجْهِهِ بَيْنَ مُنْهَلٍ وَمُنْسَجِم مِنْ وَجْهِ أَحْمَدَ لِي بَدْرٌ وَمِنْ يَدِهِ بَحْرٌ وَمِنْ فَمِهِ دُرٌ لِمُنْتَظِ يَمِّمْ نَبِيئًا يُبَارِي الرِّيحَ أَنْمَلُهُ والْمُزْنَ مِنْ كُلِّ هَامِي الْوَدْقِ مُرْتَكم لَوْ عَامَتِ الْفُلْكُ فِيمَا فَاضَ مِنْ يَدِهِ لَمْ تَلْقَ أَعْظَمَ بَحْرٍ مِنْهُ إِنْ تَعُمِ يُحِيطُ كَفَّاهُ بِالْبَحْرِ الْمُحِيطِ فَلُذْ بِهِ وَدَعْ كُلَّ طَامِي الْمَوْحِ مُلْتَطِم لَوْ لَمْ تُحِطْ كَفُهُ بِالْبَحْرِ مَا شَمَلَتْ كُلَّ الأَنامِ ورَوَتْ قَلْبَ كُلِّ ظَمِي (2) قالَ البُخَارِيِّ ومُسْلِم عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ شَيْءٍ قَطُّ فَقَالَ لا)) (3) بَلْ يُعْطِيهِ إِنْ كَانَ عِندَهُ، أَو يَعِدُهُ بِمَيْسُورٍ مِنَ القَوْلِ، إِنْ سَاغَ وإِلَّا سَكَتَ أَوْ دَعَا أَوِ اعْتَذَرَ (4). والْمُرَادُ أَنَّهُ لا يُواجِهُ السَّائِلَ بـ "لا"، ولَيْسَ المرادُ أنَّه كلَّما سُئل ولَهُ ما يُعطِي أَعْطَى؛ لأَنَّ هذا خَلاف الواقع. وقَدْ وَرَدَ هذا فِي حَدِيثِ ابن الحنفيّة مُحَمَّدِ بنِ [172 ظ] الحَنَفِيَّةِ، مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مُرْسَلًا: ((كَانَ إِذَا سُئِلَ فَأَرادَ أَنْ يَفْعَلَ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَفْعَلَ
سَكَتَ)) (5) والمرادُ قَوْلُهَا فِي مَنْعِ، وَأَمَّا قَوْلُهَا فِي غَيْرِ الْمَنْعِ كَالاعْتِدَارِ فَوَارِدٌ، قَالَ اللهُ جَلَّ وعَلَا: قُلْتُ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْه.) ولَمْ يَقُلْ لَا أُعْطِيكُم". ومِثْلُ "لا" غَيْرُهَا مِمَّا يَنْبَغِي الحَالُ والاسْتِقبَالُ إِلَّا لِنَحْوِ الاعتذار؛ كقَوْلِهِ لِلْأَشْعَرِيِّينَ: ما عِندِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، وأَمَّا قَوْلُهُ لَهُمْ: ((واللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ (((7) وَذَلِكَ فِي شَأْنٍ غَزْوَةِ تَبُوكٍ، قَالَهُ سَائِلِهِمْ وَهُوَ غَضْبَانُ وَلَا يَشْعُرُ بِغَضَبِهِ، فيُجَابُ بأَنَّهُ لَا يَنْطِقُ بِـ "لا" إِلَّا إِذَا كَانَ السَّائِلُ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ ما سَئِلَ، أو إلَّا إذا كانَ المَقَامُ لَا يَقْتَضِي الاقتصارَ علَى السُّكوتِ مِن الحالَةِ الوَاقِعة، أو حَالَةِ السَّائِلِ، مِثْلَ أَن لَا يَعْرِفَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُرِدِ الإِعْطَاءَ أَوْ لَمْ يَجِدْ ما يُعطِي سَكَتَ، فَلَوْ سَكَتَ لَتَمَادَى عَلَى السُّؤالِ، والقَسَمُ قَطْعُ
(1) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 111/ 6.
(2) الأبيات من البسيط، المواهب، 369/ 2، وشرح الزرقاني على المواهب اللدنية 112/ 6.
(3)
البخاري، حديث (6034). صحيح
(4) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 113/ 6.
(5) الطبقات الكبير، ابن سعد، 317/ 1. (6) سورة التوبة: 92.
(7) صحيح البخاري، حديث (4415).
453