الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٣وَفَادَيْتُ عَقِيلًا، وكانَ أُسِرَ معَ عَمِهِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَقَالَ لَهُ: خُذْ، فَحَثَا؛ أَي: العَبَّاسُ، فِي ثَوْبِهِ؛ والحِثِيَةُ: مِلْءُ اليَدِ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ، أَيْ: يَرْفَعُهُ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ عَلَيَّ، قَالَ: لَا، قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ فَقَالَ: لَا، فَنَثَرَ مِنْهُ ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ عَلَيَّ، قَالَ: لا، قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: لَا، فَنَثَرَ مِنْهُ ثُمَّ احْتَمَلَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى كَاهِلِهِ فَانْطَلَقَ، فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ لا يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ حَتَّى خَفِيَ عَلَيْنَا عَجَبًا مِنْ حِرْصِهِ - فَمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمْ)) (1).
—
وفِي وَضْعِ المَالِ فِي المَسْجِدِ جَوَازُ الانتفاع في المَسْجِدِ بِمَا لِلْمُسلِمِينَ ممَّا لا يُعَطِّلُ الصَّلاةَ ولا يُفسِدُ المَسْجِدَ. ويُقِلُّهُ: بضَمّ الياءِ وكسر القافِ يَرْفَعُهُ. وطَلَبُ العَبَّاسِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَن يُرْفَعَ عَلَيْهِ إدْلَالًا عَلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ منه هال لوله أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فَطَلَبَ منهُ هُوَ الرَّفْعَ وامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ زَجْرًا عن الاسْتِكثَارِ مِنَ الْمَالِ وأَتْبَعَهُ بَصَرَهُ تَعَجُبًا مِن حِرْصِهِ. قال ابْنُ كَثِيرٍ: كَانَ الْعَبَّاسُ ال شَدِيدًا (2) طَوِيلًا نَبِيلًا قلَّمَا احْتَمَل ما يُقَارِبُ أَرْبَعِينَ أَلْفَا (3)، قلَّلَ بَعْضُ، فَلَمَّا أَخَذَ وانْطَلَقَ، قَالَ: إِنَّمَا أَخَذْتُ ما وَعَدَ اللهُ، فَقَدْ أَنْجَزَ، يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ يَعْلَمَ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُوتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ (4) (5).
ومن رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بنِ هِلالٍ الْعَدَوِي أَبِي نَصْرِ الْبَصْرِيِّ التَّابِعِي مُرْسَلًا: كان المَالُ مِئَةَ أَلْفِ دِرْهَم). وأَنَّهُ أَرْسَلَ بِهِ العلاء بن الحضرمي مِنْ خَرَاجِ الْبَحْرَيْنِ، وَهُوَ أَوَّلُ مالٍ حُمِلَ إِلَيْهِ (7).
وللبخاري مِنْ حَدِيثِ عَمْرو بن عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ الله له له له صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ وَأَقَرَّ عَلَيْهِم العَلَاءَ بن الحضرمي، وبعَثَ أبا عبيدة بن الجرّاح إلَيْهِمْ فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَة بِمَالٍ فَسَمِعَتِ الْأَنْصَارُ بقُدُومِهِ، الحديث، وهُو فِي مَغَازِي البُخَارِي (8).
وقالَ الوَاقِدِيّ: إِنَّ رَسُولَ العَلَاءِ بن الْحَضْرَمِي بالمالِ هوَ العلاء بن جارية الثَّقَفِى، قُلتُ: هو
(1) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 119/ 6، ينظر الحديث: صحيح البخاري، حديث (3165).
(2) في الهامش دون إحالة على موضعها: شديبا.
(3) البداية والنهاية، ابن كثير، 479/ 8. (4) سورة الأنفال: 70.
(5) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 119/ 6.
(6) في المصنف: ثمان مئة ألف.
(7) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 120/ 6، والمصنف ابن أبي شيبة، حديث (35805). (8) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 121/ 6، وصحيح البخاري، حديث (3158).
456