الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٥فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ الله، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكِ أَيْ بُنَيَّتِي؟)) قَالَتْ: جِئْتُ لأُسَلَّمَ عَلَيْكَ، وَاسْتَحْيَتْ أَنْ تَسْأَلَهُ وَرَجَعَتْ، فَقَالَ: مَا فَعَلْتِ؟ قَالَت: اسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ، فَأَتَيْنَا جَمِيعًا النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ لَقَدْ سَنَوْتُ حَتَّى اشْتَكَيْتُ صَدْرِي، وَقَالَتْ فَاطِمَةُ: لَقَدْ طَحَنْتُ حَتَّى مَجَلَّتْ يَدَايَ، وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِسَبْيِ وَسَعَةٍ، فَأَخْدِمْنَا، أَيْ: أعطنا خادِمًا (1) فَقَالَ: ((وَاللهِ، لَا أُعْطِيكُم وَأَدَعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ تَطْوَى بُطُونُهُمْ مِن الجوع، لا أَجِدُ مَا أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنِّي أَبِيعُهُمْ وَأُنْفِقُ عَلَيْهِمْ أَثْمَانَهُمْ)) فَرَجَعَا، فَأَتَاهُمَا النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَقَدْ دَخَلاً فِي قَطِيفَتِهِمَا [174 ظ] إِذَا غَطَّتْ رُؤُوسَهُمَا كَشَفَتْ أَقْدَامَهُمَا، وَإِذَا غَطَّتْ أَقْدَامَهُمَا كَشَفَتْ رُؤُوسِهُمَا، فَثَارًا، فَقَالَ: ((مَكَانَكُمَا، فَقَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمَا بِأَفضَلَ مِمَّا سَأَلْتُمَانِي؟ قَالا: بَلَى فَقَالَ: كَلِمَاتٌ عَلَّمَنِيهِنَّ جِبْرِيلُ، تُسَبِّحَانِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا، وَتَحْمَدَانِ عَشْرًا، وَتُكَتِرَانِ عَشْرًا، وَإِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا، فَسَبِّحَا ثَلاَثًا وَثَلاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبّرًا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ)) (2).
والحَدِيثُ فِي الْبُخَارِي، ومُسْلِم عَنْ عَلِيّ: أَنَّ فَاطِمةَ رضي اللهُ عَنْهَا، شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ أَثَرِ الرَّحَا، فَأَتَى النَّبِيءَ الله صلى الله عليه وسلم سَبْي فَانْطَلَقَتْ وَلَمْ تَجِدْهُ وَوَجَدَتْ عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيءُ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ فَجَاءَ النَّبِيءُ لا إِلَيْنَا، وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْتُ لِأَقُومَ فَقَالَ: مَكَانَكُمَا فَقَعَدَ بَيْنَنَا، حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي، وَقَالَ: أَلا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَانِي، إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا من اللَّيلِ تُكَبِرَانِ ثلاثًا وَثَلَاثِينَ وَتُسَبِّحَانِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتَحْمَدَانِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ)) (3).
قال عياض: بمعنى أنَّ عمل الآخِرَةِ أفضل من أمورِ الدُّنيا. وقال ابن تيمية فيه: إِنَّ مَن واظَبَ
على هذا الذِكرِ عندَ النّومِ، لم يُصِبْهُ إعياء؛ لأنَّ فاطِمةَ شَكَت التَّعبَ مِن العمل فأحالَها عَلَيهِ (4). وأتَتْهُ امْرَأَةٌ بُرْدَةٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَكْسُوكَ هَذِهِ؟ قالَ: ((نَعَمْ) قَالَتْ: نَسَجْتُها بِيَدِي فَجِئتُ لأَكْسُوكَها فأخذَهَا النَّبِيءُ لاله محْتَاجًا إِلَيْهَا فَلَبِسَها، وخَرَجَ إِلَيْنا وإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَرَأَىهَا عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الصَّحابَةِ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ ما أَحْسَنَ هَذِهِ البُردَةَ فأَكْسِنِيهَا فقال: ((نعَمْ)) فَجَلَسَ فِي الْمَجْلِسِ ما شاءَ اللهُ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَواهَا فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، فَلَمَّا قامَ رَسُولُ اللهِ الله لامَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا: مَا أَحْسَنْتَ حِينَ رَأَيْتَ النَّبِي الله أخَذَها مُحْتَاجًا إِلَيْها، ثُمَّ سَأَلْتَهُ إيَّاها وقَدْ عَرَفْتَ أنَّهُ لَا يُسْأَلُ شَيْئًا فَيَمْنَعُهُ، وفِي
(1) إضافة ليست في ج. (2) مسند أحمد، حديث (838).
(3) صحيح البخاري، حديث (5361)، وصحيح مسلم، حديث (80).
(4) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 123/ 6.
458