الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٨فهُوَ عَنْ عَلِيّ غَيْرَ أَنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَذْكُرَ عَلِيًّا (1). وذكر ما روي الحَسَنُ عَنْ عَلِيِّ فَبَلَغَ عَشَرَةَ أَحَادِيثَ سَاقَهَا، وذَكَرَ خِلالَها قَوْلَ ابن الْمَدِينِي أَنَّ الْحَسَنَ رَأَى عَلِيًّا بِالْمَدِينَةِ وهُوَ غُلَامٌ، قال أبو زُرْعة (2): كَانَ الحَسَنُ ابْنَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَة يَوْمَ بُويعَ عَلِيّ، وقَالَ: رَأَيْتُ الزبير بايَعَ عَلِيًّا ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْكُوفَةِ والبَصْرَةِ وَلَمْ يَلْقَهُ الحَسَنُ بَعْدَ ذَلِكَ، ويُحْمَلُ قَوْلُ النَّافِي على مَا بَعْدَ حَرُوجٍ عَلِيَّ مِنَ الْمَدِينَةِ (3).
قال أبو يَعْلَى: حَدَّثَنِي [جويرة بن أشرس] (4) أَخْبَرَنِي عقبة بن أبي الصهباء الباهلي سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: سَمِعتُ عَلِيًّا يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللهِ الله: مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ)) (5) الحديث وليس فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا أَلْبَسَ الْحَسَنَ الْبَصْرِيِّ الخِرقةَ. واتَّصَلَ لَبْسُ الصُّوفِيَّةِ الْخِرْقَةَ إِلَى كُهَيْلَ بنِ زِيَاد، إِذْ صَحِبَ عَلِيًّا وَلَمْ يَرْوِ أَنَّهُ الْبَسَهُ الخِرْقةَ، وفِي بَعْضِ الطُّرُقِ اتِّصَالُ لَبْسِ الْخِرْقَةِ إِلَى أُوَيْس القرني، ولَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّ أُوَيْسًا أَلْبَسَهَا أَحَدًا، وَلَا أَنَّ عُمَر وعَلِيًّا أَلْبَسَاهَا أُوَيْسًا حِينَ اجْتَمَعَا بِهِ (6). تنبيه: قيل السَّحَاءُ أَتَمُّ وأَكْمَلُ مِنَ الْجُودِ بِنَاءً عَلَى تَغَايُرِهِما، والأَصَحُ أَنَّ السَّحَاءَ أَدْنَى مِنْهُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُوصَف الله بهِ وفِي مُقَابَلَةِ الجُودِ البُخْلُ، وفي مُقَابَلَةِ السَّحَاءِ الشُّحُ، والْكَرَمُ: الْإِنْفَاقُ بِطِيبِ نَفْسِهِ فِيمَا يَعْظُمُ خَطَرُهُ، والجُودُ والبُخْلُ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِمَا الاِكْتِسابُ بِطْرُقِ الْعَادَةِ. فالجَوَادُ إِذَا رَأَى مَنْ أَنْفَقَ مَالَهُ فَصَارَ فَقِيرًا، غَلَبَ عَلَيْهِ الحِرْصُ فَمَنَعَ نَفْسَهُ مِنَ الْجُودِ، حَتَّى لَا يَصِيرَ كَذَلِكَ، والْبَخِيلُ يَعْلَمُ خِسَّةَ الدُّنْيَا ومَا يَؤُولُ إِلَيْهِ، وأَنَّ ذَا الْمَالِ يَمُوتُ فَيَأْخُذُ غَيْرُهُ مَالَهُ، فَيُعَالِجُ نَفْسَهُ عَلَى إِعْطَاءِ مَا يَنْبَغِي فَيَصِيرُ الْجُودُ طَبِيعَةً لَهُ، والشُّحُ والسَّحَاءُ طَبَعِيَّان لَا كَسْبِيَّانِ، وهَذَا عَلَى أَنَّ الشُّحَّ أَشَدُّ مِنَ الْبُخْلِ، وأَنَّ السَّحَاءَ أَتَمُّ مِنَ الْجُودِ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّ الجُودَ والسَّحَاءَ مُتَرَادِفانِ، أَوْ أَنَّ الْجُودَ أَعْلَى فَلَا، فَكُلُّ سَخِي جَوَادٌ لِأَنَّ السَّحَاءَ إِعْطَاءُ مَا يَنْبَغِي بِحَسَبِ الطَّبِيعَةِ، ولَيْسَ كُلُّ جَوَادٍ سَخِيًّا؛ لِأَنَّ الْجُودَ إِعْطَاءُ مَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَنْبَغِي لَكِنْ قَدْ يَكُونُ بِمُعَالَجَةِ النَّفْسِ عَلَى اكْتِسَابِهِ، وَالْجُودُ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الرِّئَاءُ، ويَأْتِي بِهِ الإِنْسَانُ مُتَطَلَّعًا إِلَى غَرَضِ مِن الْخَلْقِ أَوِ الْحَقِّ، بِمُقَابَلَةٍ مِنْ ثَنَاءِ الْخَلْقِ أَوْ ثَوَابِ الْحَقِّ، وَلَا يَتَطَرَّقُ الرِّيَاءُ إِلَى السَّحَاءِ؛ لِأَنَّهُ بِالطَّبْعِ وَلِأَنَّهُ يَنْبُعُ مِنَ النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ الْمُرْتَفِعَةِ عن الأَغْرَاضِ. كَذَا قِيلَ قُلْتُ: لَا أُسْلِمُ أَنَّ الرِّئَاءَ لَا يَكُونُ فِيمَا بِالطَّبِعِ، وَلَا أَنَّ السَّحَاءَ لَا يَنْبَعِثُ إِلَّا مِنَ النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ الْمُرْتَفِعَةِ عَن الأَغْرَاضِ، وقِيلَ الجودُ تَجنُّبُ اكْتِسَابِ مَا لَا يُحْمَدُ، وهُوَ ضِدُّ التَّقْتِيرِ، والجَوَادُ الذِي يتفَضَّلُ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُ ويُعْطِي مَنْ لَا يَسْأَلُ، ويُعطِي الكَثِيرَ، والسَّخِيُّ اللَّيْنُ عِنْدَ الْحَاجَةِ. قَالَ الْقشيري: قال القَوْمُ: مَنْ أَعْطَى البَعْضَ فَهُوَ سَخِيٌّ، ومَنْ أَعْطَى الْأَكْثَرَ فَهُوَ جَوَادٌ، وَمَنْ قَاسَى
(1) تهذيب الكمال، يوسف المزي، 124/ 6.
(2) أبو زرعة: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرِو بنِ. عَبْدِ اللهِ صَفْوَانَ بنِ عَمْرٍو النَّصْرِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، ت: 280 هـ، من تصانيفه: كتاب العلل في الحديث، وكتاب
التاريخ. سير أعلام النبلاء، الذهبي، 311/ 13.
(3) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 127/ 6.
(4) في شرح المواهب: جويرية، وفي مسند أبي يعلى في بعض أسانيده: حوثرة بن أشرس.
(5) مسند أبي يعلى، حديث (3717)، وليس فيه السند المذكور.
(6) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 128/ 6.
461