إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٠

في

"الشمائل" عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللهُ عَنْهَا: كَانَ رَسُولُ اللهِ لا لا يَفْلِي ثَوْبَهُ ويَحْلُبُ شَاتَهُ وَيَخْدُمُ صلى الله عليه وسلم نَفْسَهُ) (1) و ((يَخِيطُ ثَوْبَهُ ويَخْصِفُ نَعْلَهُ ويَرْقَعُ ثَوْبَهُ، ويَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ الرِّجالُ فِي بُيُوتِهِم)) (2) وأَكْثَرُ ما يَعْمَلُ الخِيَاطَةَ. ومِن لَازِمِ التَّفَلّي وُجُودُ شَيْءٍ يُوذِي فِي الْجُمْلَةِ، إِمَّا قُمَّلًا أَوْ بُرْغُونًا أَوْ نَحْو ذَلِكَ، ويُمكِنُ أَن يُجابَ بأنَّ التَّفَلّي لاسْتِقذَارِ وُجودِ مَا عَلِقَ بِثَوْبِهِ، وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ أَذىً فِي حَقِّهِ وهَذَا فِيهِ بَحْتُ؛ لِأَنَّ أذَى القُمَّلِ هُو غِذَاؤُهُ مِنَ الْبَدَنِ عَلَى مَا أَجْرَى اللهُ الْعَادَةَ بِهِ، وَإِذَا امْتَنَعَ الغِذَاءُ لَا يَعِيشُ الحَيَوَانُ عادَةً (3). قُلْتُ: يُمْكِنُ أَنْ يَعِيشَ بِمَصَ العَرَقِ مِنْ بَدَنِهِ أو ثَوْبِهِ الله، ويُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ التَّفْلِيَةُ لِإِزَالَةِ القُمَّلِ الحَاصِل لَهُ مِنْ غَيْرِهِ، بَلْ لِإِزَالَةِ القَدْرِ الحَاصِلِ فِي ثَوْبِهِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ حَيَوَانًا، وبِتَقْدِيرِهِ يَجوزُ أَن يَكُونَ فَلَى ثَوْبَهُ قَبْلَ مُضِيّ مُدَّةٍ لَا يَصْبِرُ الْحَيَوَانُ فِيهَا عَلَى عَدَمِ التَّغَدِّي. وأَيْضًا لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِم لَمْ يَكُن القُمَّلُ يُوذِيهِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ قُمَّلٌ، بَلْ نَقُولُ ذَلِكَ مِنَ السَّالِبَةِ الصَّادِقَةِ بِنَفْيِ المَوْضُوعِ أَيْ: لَا قُمَّلَ لَهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُوذِيهِ كَقَوْلِهِ: لَا تُلْهِيهِمْ تِجَرَةٌ) أَيْ: لَا تِجَارَةَ

لهم.

ومِنْ لَفْظِ ابْنِ سَبع: لَمْ يَكُنْ فِيهِ قُمَّل؛ لِأَنَّهُ نُورٌ، ولأَنَّ أَصْلَ القُمَّلِ مِنَ الْعُفُونَةِ وَلَا عُفُونَةَ فِيهِ، وأَكْثَرُهُ مِنَ الْعَرَقِ، وَعَرَقهُ طَيِّبٌ (5). وحَدِيثُ: ((لَمْ يَقَعْ لَهُ لا ظِلٌّ عَلَى الْأَرْضِ، وَلَا رَبَّيَ لَهُ ظِلٌّ فِي شَمْسٍ وَلَا قَمَرِ)) رواه الحكيم الترمذي مرسلًا (6). قال ابن سبع: لأَنَّهُ كَانَ نُورًا كُلَّهُ. وَقَالَ رَزِينُ: لِغَلَبَةِ أَنْوَارِهِ (7). قِيلَ: وَحِكْمَتُهُ صِيَانَتُهُ عنْ أَنْ يَطَأَ كافِرٌ ظِلَّهُ. وإطْلاقُ [176] الظَّلِ علَى القَمَرِ مجاز؛ لِأَنَّهُ يُقالُ: ظُلْمَةُ الْقَمَرِ ونُورُهُ (8). وإِذَا كَانَ لَا يُرَى لَهُ ظِلُّ فِي ذَلِكَ، فَأَوْلَى أَن لَا يُرَى لَهُ فِي ضَوْءِ النَّارِ. ثُمَّ رَأَيْتُ وَالْحَمْدُ للهِ أَنَّ ابن المبارَكِ وابن الجوزي رَوَيَا عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ لَهُ ظِلٌ، وَلَمْ يَقُمْ مَعَ الشَّمْسِ قَطُّ إِلَّا غَلَبَ صَوْؤُهُ ضَوْءَ الشَّمسِ، ولَمْ يَقُمْ مَعَ سِرَاحٍ قَطُّ إِلَّا غَلَبَ صَوْؤُهُ ضَوْءَ السّراحِ (9). وصَرَّحَ بَعْضُهُم

(1) مسند أحمد، حديث (26194) والشمائل المحمدية، الترمذي، حديث (325).

(2) مسند أحمد، حديث (24903). (3) المواهب اللدنية، القَسْطَلَّاني، 448/ 2. (4) سورة النور: 37.

(5) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 200/ 7.

(6) لم أقف عليه في الشمائل المحمدية. (7) ينظر: الخصائص الكبرى، السيوطي، 169/ 1. (8) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 199/ 7.

(9) (م، س) 200/ 7

463