الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٣أَصَابِعِهِ، وَهَذَا بَعْضُ حَدِيثٍ طَوِيلٍ رَواهُ أَحْمَدُ (1) والطَّبَرَانِي (2). وعَنْ جَابِرٍ بنِ سَمُرَةَ: ((كَانَتْ خِنْصَرُ رَسُولِ اللهِ مِنْ رِجْلِهِ مُتَظَاهِرَةٌ)) (3) رَوَاهُ البيهقي وفي سندِهِ مَنْ لَا يُؤْخَذُ برِوايتِهِ فِيمَا قَالَ بَعْضٍ، ومَعْنَى تَظَاهُرِهَا: زِيَادَتُهَا طُولًا أَوْ غِلظَّا (4). وذَكَر القُرْطُبِيّ وغَيْرُهُ: واشْتَهَرَ فِي الأَلْسِنَةِ سَبَّابَةُ يَدِ النَّبِي كَانَتْ أَطْوَلَ مِن الوُسْطَى (5). قُلْتُ: يَرُدُّهُ قَوْلُهُ: بَيْنِي وَبَيْنَ كَافِلِ الْيَتِيمِ، مَا بَيْنَ هَاتَيْنِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى)) () ولَعَلَّ ذَلِكَ فِي قَدَمَيْهِ.
قالَ ابْنُ حَجَرٍ: ذَلِكَ غَلَطٌ وإِنَّما ذَلِكَ فِي أَصَابِعِ قَدَمَيْهِ، سَمَّى الإِصْبَعَ التَّالِيَةَ لِإِنْهَامِ الرِّجْلِ سَبَّابَةً مَجَازًا، قَالَ السخاوي: حَدِيثُ سَبَّابَةِ النَّبِي الله وأَنَّها كَانَتْ أَطْوَلَ مِنَ الْوُسْطَى اشْتَهَرَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ كَثِيرًا، وسَلَفُ جُمْهُورِ القَائِلِينَ بِطُولِ سَبَّابَةِ يَدِهِ الكمال الدميري (7) وهُوَ خَطَةٌ نَشَأَ عن اعْتِمَادِ روايَةٍ مُطْلَقَةٍ. وعِبَارَةُ الدّميري: كَذَا رَاوَهُ يزيد بن هارون عن عبد الله بن مقسم عنْ عَمَّتِهِ سَارَةِ، أَنَّهَا سَمِعَتْ مَيْمُونَةَ بِنْتَ كَرْدَمٍ تُحْبِرُ أَنَّها رَأَتْ أَصَابِعَ رَسُولِ اللهِ الله كَذَلِكَ (8). أي: السَّبَّابَةُ أَطْوَلُ مِنَ الْوُسْطَى، فَضَمَّ ما وَقَعَ فِيهَا مِنْ إِطْلَاقِ الْأَصَابِع إِلَى كَوْنِ الوُسْطَى مِنْ كُلِّ أَطْوَل مِن السَّبَّابَةِ، وعَيَّنَ اليَدَ مِنْهُ) فَأَنْتَجَ لَهُ كَوْنَهُ أَطْوَلَ مِن الوسطى عَلَى فَهْمِهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ القَصْدَ وَصْفٌ اخْتَصَّ بِهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ غَيْرِهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرادٍ، إِنَّمَا الْمُرادُ صِفَةُ أَصَابِعِهِ مُطْلَقًا، وعَلَى هَذَا فمَا حِكْمَةُ تَحْصِيصِها طُولَ سَبَّابَةِ رجْلِهِ بِالذِّكْرِ، فإِنْ كَانَ المُرادُ مُسَاوَاتُها لِغَيْرِها مِنَ الأَصَابِع فَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِها، وإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهَا تَزِيدُ طُولًا عَلَى سَبَّابَةِ غَيْرِهِ كَانَ ذِكْرُ طُولِها مِنَ الوَصْفِ الْمُخْتَصّ بِهِ 10).
ولَكِنَّ الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَد مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بنِ هَارُون مُقَيَّدٌ بِالرِّجْلِ كَمَا مَرَّ إِذْ قَالَتْ: ((فَمَا نَسِيتُ طُولَ أُصْبُع قَدَمَيْهِ السَّبَّابَةِ عَلَى سَائِرِ أَصَابِعِه)) (11) فيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَكَذَا لِلْبَيْهَقِي
(1) مسند أحمد، حديث (27064).
(2) المعجم الكبير، حديث (75).
(3) دلائل النبوة، البيهقي، 248/ 1. (4) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 480/ 5. (5) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 15/ 2. (6) صحيح مسلم، حديث (2983).
(7) كمال الدين، محمد بن موسى بن عيسى بن علي الدميري أبو البقاء الشافعي (ت: 808 هـ). من تصانيفه: حياة الحيوان الكبرى. الضوء اللامع،
59/ 10، ومعجم المؤلفين، رضا كحالة، 743/ 3.
(8) النجم الوهاج، الدميري، 159/ 2. (9) المقاصد الحسنة، السخاوي، ص 237. (10) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 482/ 5.
(11) مسند أحمد، حديث (27064).
466