الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٤مِنْ طَريقِ يزيد بن هارون إِلَى مَيْمُونَةَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ لوله بِمَكَّةَ؛ أي: فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ وأَنَا مَعَ أَبِي وَبِيَدِ رَسُولِ اللهِ لا دُرَّةٌ كَدُرَةِ الْكِتَابِ فَدَنَا مِنْهُ أَبِي فَأَخَذَ بِقَدَمِهِ، فَأَقَرَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ فَمَا نَسِيتُ طُولَ إِصْبَعِ قَدَمِهِ السَّبَّابة علَى سَائِرِ أَصَابِعِهِ)) (1) وَلَا يَمْنَعُ ذِكْرُها لِذَلِكَ مُشَارَكَةَ غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ لَهُ فِي ذَلِكَ، إِذْلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُقَالَ: رَأَيْتُ فُلَانًا أَبْيَضَ أَوْأَحْمَرَ أَوْ أَسْمَرَ، مَعَ الْعِلْمِ بِمُشَارَكَةِ غَيْرِهِ لَهُ، وَيَجُوزَأَنْ يَكُونَ التَّفَاوُتُ بِكَوْنِهِ زَائِدَ الظُهورِ إِذِ النَّاسُ فِيهِ مَتَفَاوِتُونَ، وَكَذَا لَا يَمْنَعُ مِنْهُ كَوْنُ السَّبَّابَةِ فِي الْيَدِ، خَاصَّةً؛ لِأَنَّ
تَسْمِيَتَها فِيهَا حَقِيقَةٌ، وفي القَدَمِ لاشْتِرَاكِهَا مَعَهَا فِي التَّوَسُطِ [178] بَيْنَ الْإِنْهَامِ وَالْوُسْطَى (2). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ: ((كَانَ إِذَا وَطِئَ بِقَدَمَيْهِ وَطِئَ بِكُلِّهَا، لَيْسَ لَهُ أَخْمَص)) (3) وَالأَخْمَصُ مِنْ بَاطِنِ القَدَمِ ما لَا يُصِيبُ الأَرْضَ، رواهُ الْبَيْهَقِيّ والبَزَّارُ وعَبْدُ الرَّزَّاق، وعن أبي أمامة الباهلي: ((كَانَ النَّبِيءُ لا أَخْمَصَ لَهُ يَطَأُ عَلَى قَدَمِهِ كُلِّهَا (((4) رَوَاهُ ابنُ عَساكر. وقال ابن أبي هالة: ((خُمْصَان الْأَخْمَصَيْنِ)) (5) قالَ الزَّمَخْشَرِي: يَعْنِي أَنَّهُمَا مُرْتَفِعَانِ عَنِ الْأَرْضِ لَيْسَ بِالْأَرَحَ الذِي يَمَسُّهَا أَخْمَصَاهُ (6). وَتَمَامُ كَلامِ ابْنِ هَالَةَ: ((مَسِيحُ الْقَدَمَيْنِ) ((7) قِيلَ: هَذَا مُنَافٍ لِقَوْلِهِ خمصان الأخمصين بتفسير الزمخشري (8).
قلتُ: لا منافاة بل نَفْسُ مَسْحِ الْقَدَمَيْنِ بِمَلَاسَتِهِما، كَمَا قِيلَ يَنْبُو عَنْهُمَا الْمَاءُ، نَعَمْ يُنَافِي إِثْبَاتُ الأَخْمَصَيْنِ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ وأَبِي أُمَامَةَ: لَا أَخْمَصَ لَهُ، ويُمْكِنُ الْجَمْعُ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ كَانَ لَهُ أَحْمَرٌ، لَمّا لَمْ يَكُنْ جَسَدُهُ مُمْتَلِنَا بِاللَّحْمِ، ثُمَّ لمَّا امْتَلَأَ بِهِ اسْتَوَتْ قدَمَاهُ فَلَمْ يَصِرْ بِهِمَا حَمص، ويُؤيِّدُ ذلكَ أَنَّ الإِثْبَاتَ رِوَايَةُ ابن أبي هَالة، وهُوَ رَبِيبُهُ وتَرْبِيَتهُ فقَدْ يَكُونُ إِخْبَارُهُ عَنْ أَوَّلِ أَمْرِهِ، والنَّفْيُ رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ مُتَأَخِرٌ لِأَنَّهُ جَاءَ سَنَةَ سَبْعِ مِنَ الهِجْرَةِ عام خيبر، سبْعِ مِنَ الهِجْرَةِ عام خيبر، وَكذَا أبو أمامة مِنَ الأَنْصَارِ أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ، والْمُصْطَفَى الله أَسَنُّ مِنْهُ، فَهُوَ إِخْبَارٌ عَنْ آخِرِ أَمْرِهِ. ويُجْمَعُ أَيْضًا بِأَنَّ مُرَادَ النَّافِي سَلْبُ نَفْي الاعتدال، فمَنْ أَثْبَتَه أَرادَ أَنَّ فِي قَدَمَيْهِ حَمْصًا يَسِيرًا، ومَنْ نَفَاهُ نفَى شِدَّتَهُ، ويُؤَيِّدُهُ جَمْعُ هِنْدٍ بَيْنَ أَخْمَص ومَسِيح فأَتَى بهِ عَقِبَهُ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الحُمْصَة فِيهِ قَلِيلَةٌ جِدًّا.
قال ابنُ الأَثِيرِ: الْأَخْمَصُ مِنَ الْقَدَمِ الْمَوْضِعُ الذِي لا يَلْصِقُ بِالْأَرْضِ مِنْهَا عِنْدَ الْوَطْءِ،
(1) دلائل النبوة، البيهقي، 246/ 1.
(2) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 482/ 5.
(3) دلائل النبوة، البيهقي، 245/ 1، ومصنف عبد الرزاق، حديث (20490).
(4) تاريخ دمشق، ابن عساكر، 300/ 3.
(5) الأحاديث الطوال، حديث (29).
(6) الفائق في غريب الحديث، الزمخشري، 230/ 2.
(7) تاريخ دمشق، ابن عساكر، 339/ 3. (8) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 482/ 5.
467