إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٣

وفِي رِوَايَةٍ: ((أيُّها النَّاسُ إِنِّي أَمَامَكُمْ، وإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ خَلْفِي كَمَا أَرَاكُمْ مِنْ أَمَامِي)) (1). وفِي البُخَارِي عَنْ أَنَسٍ: صَلَّى بِنَا النَّبِيءُ الله صَلَاةً ثُمَّ رَقِيَ فِي المِنْبَرِ فَقَالَ: فِي الصَّلاةِ وفِي الرَّكوعِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِي كَمَا أَرَاكُمْ مِنْ أَمَامِي)) (2) وفِي مُسْلِم: ((إِنِّي لَأَبْصِرُ مِنْ وَرَاءِي كمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ)) (3). قالَ ابْنُ حَجَرٍ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِحَالَةِ الصَّلاةِ، ويَحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ مِمَّا نُقِلَ عَنْ مُجَاهِد، وحَكَى ابن مخلد أَنَّهُ كَانَ يُبْصِرُ في الظُّلمةِ كما يُبْصِرُ في يُبصِرُ في الضوء (4). جمَاعَةٌ مِن المُتَقَدِّمِينَ بالْعُمُومِ، وعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ كانَ يُبْصِرُ مِنْ خَلْفَه؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى مِنْ كُلِّ

جهة (5)

وصرح

ص

219

وعن مجاهد في قوله تَعَالَى: الذي يَرِينكَ حِينَ تَقُومُ (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (6) كَانَ (21)) مِن الصُّفوفِ، كما يرَى مَنْ بَيْن يَدَيْهِ (7). أَيْ: فَهُوَ يَرَاهُمْ قَرُبُوا أَو بَعُدُوا مِن خَلْفِهِ

يرَى مَنْ خَلْفَه

وقُدَّامِهِ.

وهذه الرؤية المذكورَةُ فِي حديث ابن عبّاس وعائِشَةَ وأبي هريرةَ وأنس ومُجَاهِد [181 ظ] رُؤْيَةٌ إِدْرَاكِ بَصَرٍ حَقِيقِي خَاصٌ بِهِ وَ انْخَرَقَتْ فِيهِ العَادَةُ. والرُّؤيةُ مِن حَيْثُ هِيَ، لَا بِقَيْدِ وَصْفِ المُصْطَفَى بِهَا، لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ آلَتِها التِي هِيَ العَيْنُ، وَلَا عَلَى وُجُودِ شُعَاعٍ وَلَا عَلَى مُقَابَلَةٍ (8). وإِنَّمَا نَمْنَعُ رُؤْيَةَ اللهِ سُبْحَانَهُ؛ لأنَّهَا إِدْرَاكَ، وبِأَيِّ وَجْهِ كانَت الرُّؤيَةُ كَانَ الإِدْرَاكُ، وهُوَ مُمْتَنِعٌ لإِفْدَائِهِ إِلَى التَّحَيُّرِ والْجِهَاتِ، وغَيْرِ ذلِكَ مِن سَائِرِ صِفَاتِ الخَلْقِ. وفِي ذلكَ رَدُّ عَلَى مَنْ قَالَ رُؤيَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ خَلْفَهُ علمهُ بِالْوَحْيِ إِلَيْهِ بِحَالِهِم أَو بِإِلْهَامِهِ، ولَوْ كانَ المراد بالرُّؤيَةِ العِلْمُ لَمْ يُقَيِّدُها بمَنْ خَلْفَهُ.

وسَائِرُ النَّاسِ تَتَوَقَّفُ صِفَةُ الرُّؤْيَا فِي حَقِّهِمْ عَلَى الْحَاسَّة والشُعاعِ والمَقَابَلَةِ، فَكَانَ إِبْصَارُهُ مَنْ خَلْفَهُ خَرْقَ عَادةٍ فِي حَقِّهِ الله، وخَالِقُ البَصَرِ فِي العَيْنِ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِهِ في غَيْرِها، فَيَجُوزُ أَنَّ اللهَ جَلَّ

(1) لم أقف عليه بهذا اللفظ.

(2) صحيح البخاري، حديث (419).

(3) صحيح مسلم، حديث (108).

(4) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، 265/ 5، وفتح الباري، ابن حجر، 515/ 1.

(5) المواهب، القسطلاني، 226/ 2. وشرح الزُّرْقَانِيّ على المواهب اللدنية، 265/ 5. (6) سورة الشعراء: 218 - 219.

(7) المواهب اللدنية، القسطلاني، 226/ 2، وجامع البيان، الطبري، 412/ 19، والكشف والبيان، الثعلبي، 183/ 7.

(8) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، 265/ 5.

476