الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٤وعَلَا خَلَقَ فِيهِ قُوَّةَ الْبَصَرِ فِي غَيْرِها، فيُدْرِكُ مَنْ خَلْفَهُ بآلَةٍ فِي أَي مَحَلَّ مِنْ جَسَدِهِ، وَهَذَا بَيَانٌ لِلْجَوازِ،
ولَمْ نَعْنِ أَنَّهُ الواقع، فإنَّ الأَقْعَدَ حَمْلُ الرُّؤيَةِ مِنْ خَلْفَ عَلَى الإِدْرَاكِ بِلَا آلَةٍ (1).
في
قالَ عَلِيُّ بنُ أَحْمد بنِ الحَسَن (2): هذِهِ الآيَةُ قَدْ جَعَلَها اللهُ تَعَالَى دَالَّةً عَلَى مَا فِي حَقِيقَةِ أَمْرِهِ الاطلاعِ البَاطِنِ؛ لِسَعَة عِلمِهِ ومَعْرِفَتِهِ، لَمَّا عَرَّفَ وأَبْلَغَ النَّاسَ أَنَّ اللهَ واحِدٌ في ذاتِهِ وفعله وقولِهِ وصفته، جوزي بالاطلاع على ما بَيْنَ يَدَيْهِ وغَيْرِه، وعلَى مَا سَبَقَ ومَا تَأَخَرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلَمَّا أَدْرَكَ ذَلِكَ بالقَلْبِ جَعَلَهُ اللهُ يُدْرِكُ مِنْ وَرَاءَهُ كَمَا مِنْ قدامه (3). وذَكَرَ مُخْتَارُ بنُ مَحْمود (4) بن محمَّد أبو الرَّجاء (5): أنَّه لا الاول كانَ لَهُ بَيْنَ كَتِفِيْهِ عَيْنَانِ كَسَمٌ الخياط، يُبصِرُ بهما ولا تَحْجُبُهُما القِيابُ (6).
ونُوزِعَ بأَنَّهُ لا يَصِحُ؛ لأنَّه لَوْ كَانَ لِإِنْسَانٍ عينيْنِ في قَفَاهُ لَكَانَ أَقْبَحَ شَيْءٍ، وَانتَصَرَ لَهُ بَعْضُ بِأَنَّ مِثْلَ هذا لا يُقالُ بالرَّأْيِ (7).
وقيل: معنَى نَظَرُهُ مَن خَلْفَهُ أَنَّهُ كَانَتْ صُوَرُهُم تَنْطَبَعُ لَهُ فِي حَائِطٍ قُدَّامَهُ، كَمَا تَنْطَبَعُ فِي المَرْآةِ فيَرَى أَمْثِلَتَهُم فَيُشَاهِدُ أَفَعَالَهُم وأَحْوَالَهُمْ، وهذَانِ الْقَوْلانِ إِنْ كَانَا نُقِلَا مِنْهُ بِطَرِيقٍ صَحِيحٍ فَمَقْبُولٌ، ويَكُونُ خَرْقًا لِلْعَادَةِ، وإِنْ كَانَ رَأْيَا فَلَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِي مِثْلِ هَذَا. والأَقْعَدُ فِي إِثْبَاتِ كَوْنِ ذَلِكَ مَعْجِزَةً حَمْلُهَا على الإِدْرَاكِ مِنْ غَيْرِ آلَةٍ، وهو الظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ، وقِيلَ: هَذِهِ الرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ قَلْبِهِ الشَّرِيفِ (8). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ: لَمَّا تَجَلَّى اللهُ، لموسَى، كَانَ يُبْصِرُ النَّمْلَةَ عَلَى الصَّفَا فِي اللَّيلةِ الظَّلماء، مسِيرةَ عشرة فراسخ () () وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُخَصَّ نبِيتُنَا الا بذَلِكَ بَعْدَ الإِسْرَاءِ، والحُظوة بما رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى (10).
(1) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، 265/ 5، بتصرف.
(2) علي بن أحمد بن الحسن بن إِبْرَاهِيم التجيبي الإمام أبو الحسن الحرالي الأندلسي، حرالة من أعمال، مرسية، ولد بمراكش وأخذ الْعَرَبيَّة عَن ابْنِ خروف وحجّ وَلَقي العلماء وجال في البلاد، وأقام بحماة وتوفي بها سنة 637 هـ، له: مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل. طبقات المفسرين، السيوطي، ص 76، وطبقات المفسرين الأدنه، وي، ص 273، ومعجم المؤلفين، 392/ 2.
(3) المواهب، القسطلاني، 227/ 2، وشرح الزُّرْقَانِيّ على المواهب اللدنية، 266/ 5، بتصرف. (4) في المواهب: بختيار محب بن محمود.
(5) الغزميني نسبةً إلى قصبة من خوارزم يلقب نجم الدين له شرح القُدُوري، وله القنية، تفقه على علاء الدين سديد بن محمد الخياطي وغيره، ت: 658 هـ. الوافي بالوفيات، 211/ 25، والجواهر المضيَّة، 460/ 3.
(6) المواهب، القسطلاني، 227/ 2، وشرح الزُّرْقَانِيّ على المواهب اللدنية، 266/ 5. (7) شرح الزُّرْقَانِيّ على المواهب اللدنية، 266/ 5، بتصرف.
(8) المواهب، القسطلاني، 228/ 2، وشرح الزُّرْقَانِيّ على المواهب اللدنية، 267/ 5، بتصرف.
(9) لم أقف عليه في كتب الحديث، وهو في الشفا، القاضي عياض، ص 157.
(10) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، 268/ 5.
477