إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٥

قَالَ بَعْضُهُم: والصَّوابُ والصَّحِيحُ أَنَّهُ يُدْرِكُ مِنْ غَيْرِ آلَةٍ، وقِيلَ: يَرَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ [182]

ومَن عَنْ يَسَارِهِ مِمَّن تدرِكُهُ عَيْنُهُ مَعَ الْتِفاتٍ يَسِيرٍ في النَّادِرِ، ويُوصَفُ مَنْ هُوَ هُنَاكَ بِأَنَّهُ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وهذَا ظَاهِرِ التَّكلُّفِ، وفيه عدول عن الظَّاهِرِ بِلَا مُوجِبِ والصَّوابُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّهُ إِدْرَاكَ حَقِيقٌ

ثمَّ

خاص به لا اله انْخَرَقَتْ بِهِ الْعَادَةُ، أَلا يُرَى إِلَى قَوْلِهِ هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي؟)) (1) وَكَذَا قَالَ أَحْمَد (2) ذلكَ الإِدْرَاكُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِرُؤْيَةِ عَيْنِهِ، انْخَرَقَتْ لَهُ العَادَةُ فِيهِ فَكَانَ يَرَى مِنْ غَيْرِ مُقَابَلَةٍ، سَلَّمْنَا أَنَّ الرُّؤيَةَ لا يُشترط لها عقلا عُضو مخصوص ولا مُقَابَلَةٌ ولا قُرب، وإنَّ ذلك أمور عاديَّة يجوز حصول الإِدْرَاكِ مَعَ عَدَمِها عَقْلًا (3).

ولَكِنْ لَا يُتَوَصَّلُ إِلَى رُؤيَةِ الْبَارِي بذَلِكَ؛ لِأَنَّه إِذَا أُدْرِكَ بأَيِّ شَيْءٍ فَقَد حَصَلَ المَحْذُورُ، وهُوَ

شَبَهُ الخَلْقِ.

وذكر ابن الجوزي، بلا إِسْنَادِ أَنَّهُ الله قال: إِنِّي لا أَعْلَمُ مَا وَرَاءَ جِدَارِي هَذَا)) (4) فَإِنْ صَعَ فَالمَرَادُ مِنْهُ نَفْي العِلمِ بِالمُغَيَّباتِ، لَا خُصُوص مَا وَرَاءَ الجِدَارِ، فَهُوَ مُنَافِضٌ لِقَوْلِهِ: ((إِنِّي لَأَرَاكُمْ،

أَيْ: أَعْلَمُكُمْ، مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي)) (5) وهُوَ مُغَيَّبٌ فَيَصِيرُ المعنَى: أَعْلَمُ المَغَيَّبَاتِ وَلَا أَعْلَمُها (6). قُلْتُ: إِنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا

ورَاءَ الجِدارِ وهُوَ يَعْلَمُ مَنْ وَرَاءَهُ مِن المُصَلِّينَ. وَإِذَا قُلْنَا الإِدْرَاكُ بِالْبَصَرِ فَلَا إشكال؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ هُنَا في خَبَرِ الْجِدارِ عنِ الْغَيْبِ، وقَوْلُهُ (أَرَاكُمْ مِنْ وراء (7) ظَهْرِي)) عن مشاهَدَةٍ فلَمْ يَتَوارَدا عَلَى مَحَلٍ وَاحِدٍ، وَعَدَمُ رُؤْيَةِ مَا وَرَاءَ الجِدارِ لَا يُنَافِي الرُّؤْيَةَ بِلَا حَائِلٍ. وأَوْرَدَ عَلَى حَدِيثِ الرُّؤيَةِ أَيْضًا قَوْلَهُ: أَيُّكُم) الذِي رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْر (8): أَنَا)) (9) إِذْ لَوْ كَانَ يَرَى ما سَألَ، وأَجَابَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ بأنَّ قِصَّةَ أبي بكر (10) كانَتْ قَبْلَ أَنْ فَضَّلَهُ اللهُ بِهَذِهِ الفَضِيلةِ؛ فَإِنَّ شُؤُونَهُ تتَزَايَدُ دَائِمًا (11) (12).

(1) سبق تخريجه، صحيح البخاري، حديث (418).

(2) مسند أحمد، حديث (8023).

(3) شرح الزُّرْقَانِيّ على المواهب اللدنية، 268/ 5، بتصرف.

(4) لم أقف عليه في كتب الحديث، ولا في كتب ابن الجوزي، ينظر: أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل، ابن حجر الهيثمي، ص 71.

(5) سبق تخريجه، صحيح مسلم، حديث (109).

(6) شرح الزُّرْقَانِيّ على المواهب اللدنية، 268/ 5.

(7) في الأصل: ورائي.

(8) خطأ صوابه: أبو بكرة.

(9) سنن أبي داود، حديث (684).

(10) خطأ سبق التنبيه عليه، صوابه: أبي بكرة.

(11) قول ابن عبد البر في الاستذكار، ابن عبد البر، 6/ 271.

(12) شرح الزُّرْقَانِيّ على المواهب اللدنية، 269/ 5.

478