الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٧وذَكَرَ عِيَاضٍ أَنَّهُ الله كَانَ يَرَى فِى التُريَّا أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا (1)، أَيْ لَيْلًا أَوْ لَيْلًا وَنَهَارًا لِمَا مَرَّ أَنَّ
رُؤيتَهُ فِيهِمَا سَوَاءٌ، وعِنْدَ الشُّهِيلِي اثْنَيْ عَشَرَ نَجْمًا (2)، وجَزَمَ القُرْطبي (3) بِالْأَوَّلِ (4) (5). قُلْتُ: لَا سَنَدَ لذلِكَ ولَا يُوجَدُ في كُتُب الحَدِيثِ، والنَّاسُ يَقُولُونَ: لَا تَزِيدُ عَلَى تِسْعَةِ أَنْجُمِ بِالتَّاءِ
المُثَنَّاةِ أَوَّلا، وشهرَ أَنَّها سَبْعَةُ بالمَوَحَّدَةِ بَعْدَ السِّين.
وقَالَ فِي مَنَاهِج الفكر (6) سِتَّةُ أَنْجُم صِغَارٍ طُمِسَتْ، يَظُنُّها مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ سَبْعَةٌ مُجْتَمِعَة بينَها نُجُومٌ صِغَارٌ كالرَّشَّاشِ، ويُحكى أنَّها اثْنَا
عشَرَ نَجْمًا، لمْ يَتَحَقَّقِ النَّاسُ مِنها غَيْرَ سِتَّةٍ أَوْ سَبْعَةٍ ولَمْ يَرَ جَمِيعَهَا غَيْرُ النَّبِي لِقُوَّةٍ جَعَلَهَا اللهُ فِي بَصَرِهِ (7). وفي الْحَدِيثِ: كَانَ رَسُولُ اللهِ لا إِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ جَمِيعًا وَكَانَ خَافِضَ الطَّرفِ)) (8) لِتَوَاضُعِهِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَى جَوَانِبِهِ. وقيل: حَفْصُ بَصَرِهِ كِنَايَةٌ عَن الْحَيَاءِ أَوْ لَيْنِ جَانِبِهِ أَوْ عَدَمِ كَثْرَةِ سُؤالِهِ واسْتِقْصَاءِهِ إِلَّا فِي وَاجِبِ، وَنَظَرُهُ إِلَى الْأَرْضِ أَكْثَرُ مِن نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَجْمَعُ لِلْفِكرَةِ وَأَوْسَعُ لِلاعْتِبَارِ، لاشْتِغالِهِ
بالْبَاطِنِ وإِعْمَالِ جَنَانِهِ فِيمَا بُعِثَ لأَجْلِهِ، أَوْ لِكَثْرَةِ حَيَائِهِ وَأَدَبِهِ مَعَ رَبِّهِ، أَوْ لِأَنَّهُ بُعِثَ لِتَرْبِيَةِ أَهْلِ الْأَرْضِ لَا أَهْل السَّمَاءِ، والأَوَّلُ أَحْسَنُ (9).
وَرَوَى أبو داود: ((أَنَّهُ كَانَ إِذَا جَلَسَ يَتَحَدَّثُ يُكْثِرُ أَن يَرْفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ)) (10) أَوْ يُحْمَلُ الإِكْثَارُ علَى الحَقِيقي، لا الإِضافِيّ، ولَا يَخْفَى أَنَّ كَثْرَةَ الشَّيْء لا تُنَافِي أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ أَكْثَرُ (11).
(1) الشفا، عياض، ص 157، وفيه نجما، كما في شرح الزرقاني.
(2) لم أقف عليه في الروض الأنف.
(3) أبو عبد الله، المفسّر المعروف، نسب إليه حاجي خليفة أرجوزةً في أسماء النبي. كشف الظنون، 62/ 1. (4) قال القرطبي ذلك في أرجوزة له سماها "أسماء النبي "، لم أقف عليها، ينظر: غاية السول، ابن الملقن، ص 79. (5) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، 271/ 5.
(6) مباهج الفكر ومناهج العِبَر، قال عنه الصفدي: أربع مجلدات للوطواط الكتبي مُحَمَّد بن إبرهيم بن يحيى بن عليّ الْأَنْصَارِيِّ، الْمَرْوِيِّ الأَصْل المصري المولد. ت: سنة 718 هـ. الوافي، 15/ 2، وقال في كشفِ الظَّنون: مَرّ في المباهج، والصحيح بالنون، للشيخ جمال الدين: محمد بن إبراهيم الوطواط الكتُبِي الوَرّاق المتوفى: سنة 718 هـ. 1846/ 2.
(7) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، 272/ 5. النص نقله أكثر من كتاب، ولم يذكروا صاحب "مناهج الفكر"، ينظر مثلا:
القلقشندي، 174/ 2.
(8) الشمائل المحمدية، الترمذي، حديث (7). (9) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، 272/ 5. (10) سنن أبي داود، حديث (4837). (11) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، 272/ 5.
صبح
الأعشى،
480