إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٥٧

والنَّص والتواتر الشـ

وَذَاكَ مَرَّتَ بِالْإِجْمَاعِ فَمَرَّتَيْنِ بِمَعْنَى فِرْقَتَيْنِ، أَوْ بِنَاءً عَلَى قَوْلٍ لَا يَعْتَدُّ أَنَّهُ انْشَقَّ لَيْلَتَيْنِ.

ولِلْبُخَارِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ((انْشَقَّ الْقَمَرُ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِي بِمِنيَّ)) (2) ولفظ مُسلِم: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النَّبِيءِ الله بِمِنىً إِذ انْفَلَقَ الْقَمَرُ (((3) ولا يُعارِضُ هَذَا قَوْلَ أَنَسٍ: إِنَّ ذلِكَ كَانَ بِمَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ انْشَقَّ قَبْلَ الْهجرة، كمَا قَالَ ابْنُ مردويه عَن ابْنِ مَسْعُودٍ: ((انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ الله هو ووَنَحْنُ بِمَكَّةَ، قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ إِلَى المَدِينَةِ)) (4) ويُجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِ ابنِ مَسْعُودٍ كَانَ بِمَكَّةَ صلى الله عليه وسلم

تَارَةً، وَقَوْلِهِ تَارَةً كَانَ بِمِنيَّ بِتَعَدُّدِ التَّفرِيقِ، أَوْ بِأَنَّ مِنّى مِن مكَّةَ، وأرادَ بِمَكَّةَ ما قبل الهجرة (5). قالَ بَعْضُ: كانَ الانْشِقاقُ فِي الْقَمَرِ حِينَ كانَ فِي وَسَطِ السَّماءِ وَأَشْهَدَهُم عَلَى فِرْقَةٍ ثُمَّ عَلَى أُخْرَى وقَدْ تَبَاعَدَت الْفِرْفَتَانِ [185] حتَّى لا يُدْعَى تَوَهُمُ الْحِسِ، وَكَانَ حِرَاء بينَهُما وَكَانَ الْفِرْفَتَانِ

علَى جَبَلَيْنِ غَيْرِ حِرَاء.

وأَنْكَرَ جَمَاعَةٌ

من الفلاسِفَةِ انشِقاقَ القَمَرِ، وفَتْحَ أبواب السَّماءِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وتَكْوِيرِ الشَّمسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّ الْأَجْرامَ العُلْوِيَّةَ لَا يَتَهَيَّأُ فِيهَا ذَلكَ لمَلَاسَتِها، وهُوَ خَطَةٌ إِذْ لَا مَانِعَ عَقْلِيًّا وَلَا عَادِيًّا مِنْ قبولِ الأَمْلَسِ ذَلِكَ، وكانَ المُنْكِرُ مشْرِكَا فينبَغِي أَنْ يُبَاحَثَ بِإِثْباتِ الإِسْلَامِ أَوَّلًا حَتَّى يُشاركَ، ثُمَّ يناظر علَى إِثْبَاتِ الانْشِقَاقِ كَمَا يُنَاظَرُ مَنْ أَنْكَرَهُ مِن المُوَحِدِينَ (6).

ويُروى أنَّ أبا بكر بن الطيب (7) أَرْسَلَهُ صاحِبُ الدَّولةِ لِمَلِكِ الرُّومِ بقسطنطينية فأَحضَرَ بَعْضَ بطَارِقَتِهِ فَقَالَ لَهُ: تَزْعُمُونَ أَنَّ الْقَمَرَ انْشَقَّ لِنَبِيئِكُم، فَهَلْ لِلْقَمَرِ قَرَابَةٌ مِنْكُمْ حَتَّى تَرَوْهُ دُونَ غَيْرِكُم؟ فَقَالَ: فهَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ المائِدَةِ أُخْوَّةٌ ونَسَبٌ؟ إِذْ رَأَيْتُمُوها ولَمْ تَرَهَا اليَهُودُ ويُونَانُ والمجوسُ الذِينَ أَنْكَرُوها وهُمْ فِي جِوَارِكُم (8).

وَلَوْ ثَبَتَ أنَّ العِلْوِيَّاتِ لَا تَقْبَلُ الانْشِقَاقَ، وَكَانَ انْشِقاقها الثَّابِتُ بِالْأَحَادِيثِ وَمُتَبَادَرِ القُرْآنِ مُعْجِزَةً لِلنَّبِي، والْعَقل لا ينكر ذلك، واللهُ قادِرٌ.

(1) ألفية السيرة النبوية - نظم الدرر السنية الزكية، العراقي، ص 59. (2) صحيح البخاري، حديث (3869).

(3) صحيح مسلم، حديث (44).

(4) لم أقف على رواية ابن مردوية، ينظر: فتح الباري، ابن حجر، 184/ 7. (5) شرح الزُّرْقَانِيّ على المواهب اللدنية، 479/ 6، بتصرف.

(6) (م، س)، 480/ 6، بتصرف.

(7) محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر البصري، ثم البغدادي، ابن الباقلاني، صاحب كتاب "إعجاز القرآن".

190/ 17

(8) شرح الزُّرْقَانِيّ على المواهب اللدنية، 480/ 6، بتصرف.

490

سير

أعلام النبلاء، الذهبي،