إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٥٨

وزَعَمَ بَعْضُ المُلْحِدِينَ أَنَّهُ لَوْ صَحَ انْشِقَاقُهُ لتَواتَرَ عِنْدَ أَهْلِ الْأَرْضِ كُلِّهِمْ، وَرَأَوْهُ وَلَمْ يَخْتَصَّ بِهِ أَهْلُ

مَكَّةَ، والدَّواعِي مُتَوَفِّرَةٌ عَلَى نَقْلِ كُلِ غرِيبٍ، فَكَيْفَ يَغْفلونَ عَنْ ذِكرِهِ وإثباتِهِ في الكُتُبِ؟ وَكَيْفَ يُطْبِقُون علَى إِهْمَالِهِ مِعَ جَلَالَتِهِ؟ فَيُجَابُ بأَنَّ انْشِقَاقَهُ وَقَعَ لَيْلًا لِقَومٍ تَصَدّوا له، وقصدوا مَعَايَنَتَهُ وهُم أَهْلُ مَكَّةَ، وَأَمَّا سَائِرُ أَهْلِ الآفاقِ فَهُمْ تَحْتَ السَّقفِ، ومَن بَرَزَ لِلسَّمَاءِ غَفَلَ؛ لأنَّهُ لم يَتَصَدَّ لِذَلِكَ بَل اشْتَغَلَ بِالسَّمَرِ، وَمِنْهُم مَنْ نَامَ، وَكَثِيرًا مَا يَسْقُطُ نَجْمٌ كَبِيرٌ أو يَطْلُعُ ولَا يَعْرِف بِهِ إِلا القليل، وبأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ المَعَانِدِينَ يَكْتُمُونَهَا وإِنْ كُتِبَتْ مَحَوْهَا، وغَيْرُهُم لَا يَتَمَسَّكُ بِذَلِكَ بَلْ يَتَسَلَّى عَنْهُ، وأَيْضًا أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْتَكْتِمُونَ كُلَّ مَن عَرَفَ بذلِكَ؛ لأَنَّهُمْ حُسَّادٌ (1).

وأمَّا ما قِيلَ لَعَلَّهُ انْشَقَّ لَحْظَةً فَلَا يَعْرِفُ بِهِ مَن كانَ فِي غَفْلَةٍ عَنْهُ، فَلَا يَصِحُ مِعَ مَا مَرَّ مِنْ بَقَائِهِ قَدْرَ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ والمَغْرِبِ، وقَدْ يَتَوَهَّمُ رَاءٍ حَوَلًا مِنْهُ وَلَا حَوَلَ، بَلْ فِرْقَتَان مُحَقَّقتانِ. وأَمَّا ما قِيلَ: إِنَّهُ لَعَلَّهُ انْشَقَّ لَحْظَةً ثُمَّ أَخَذَ في الالْتِقَامِ فَلَا يُمكِنُ جَوَابًا إِلَّا إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ بَعْدَ اللَّحْظَةِ تَلَاصَقَ بِمَرَّة، ولَمْ يَتِمَّ التِصَاقُهُ إِلَّا فِي مِثْلِ ما بَيْنَ الْعَصْرِ والمَغْرِبِ. وما قِيلَ: لَعَلَّهُ حِينِ انْشَقَّ طَلَعَ بمَكَّةَ دُونَ غَيْرِها، لَا يَصِحُ إِذْ لَا يَطْلُعُ فِيهَا إِلَّا وقَدْ طَلَعَ قَبْلَها، ويُرْوَى فِيمَا بَعْدَها (2). وأما ما قيل: لعله كالكُسُوفِ، يُرَى في موضع دونَ آخَرَ (3)، فلا يَصِحُ؛ لأَنَّهُ فِي جِسْمِ وَاحِدٍ عظِيمٍ، يَرَى مِنْهُ أَهْلُ الْبَلَدِ مَوْضِعَ الانفساح دونَ أَهْلِ الموضع الآخر، كَجِسمٍ تَرَى بَعْضَهُ وَيَرَى غَيْرُكَ بَعْضًا آخر، والفلقَتَانِ كِلْتَاهُما فِي حَقِّ نَظَرِ كُلِّ أَحَدٍ سَوَاءٌ، وفِي عَدَمِ رُؤْيَتِهِ رَحْمَةٌ لِلْأُمِّةِ، وَلَوْ مَنْ كَفَرَ مِنْهُم لأن طلبها فكانَتْ، ولم يؤمن (4) من عذب ببدرِ [186 و] كَمَا عُذِّبَ مَن اقْتَرَحَ الآياتِ عَلَى الْأَنْبِتَاءِ، فَكَانَتْ ولَمْ يُؤْمِنْ، ولَمْ يُوجَدْ نَفْي عَنِ المُنَحِمِينَ كَمَا لَمْ يُوجَدْ نَفْي وكَفَى، والمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي. وقَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: قَدْ يَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ قَبْلَ طُلُوعِهِ عَلَى آخَرِينَ قالَ: ولَمْ يَكُل الانْشِقاقُ، وَلَمْ تَتَوَفَّر

الدَّواعِي عَلَى الاعْتِناءِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ، ومَعَ ذَلِكَ قَدْ أَخْبَرَ بِانْشِقَاقِهِ السُّفَّارُ (5). قال القُرْطبي (): يحْتَملُ أنَّ الله سبحانَهُ صَرَفَ أَهْلَ الْأَرْضِ عن الرُّؤْيَةِ إِلَى الْقَمَرِ، فِي تِلْكَ السَّاعةِ إِلَّا أَهْلَ مَكَّةَ ومَا حَوْلَها لِيَخْتَصَّ بِمُشَاهَدَتِهِ أَهْلُ مكَّةَ وما حَوْلَهَا، فَيُخْبِرُوا غَيْرَهُم كما أَخْبَرُوا بآيات كثيرة (7). ولَا يَخْفَى ضُعفُهُ.

(1) شرح الزُّرْقَانِيّ على المواهب اللدنية، 482/ 6 بتصرف.

(2) (م، س)، 482/ 6 بتصرف.

(3) عبارة " يُرَى في موضع دونَ آخَرَ" أضافها المؤلف على الهامش.

(4) كلمة لم أتبينها في الأصل، والمثبت من ج.

(5) لم أقف عليه في كتب ابن عبد البر، ينظر: فتح الباري، ابن حجر، ر، 186/ 7، وشرح الزُّرْقَانِيّ على المواهب اللدنية، 483/ 6.

(6) لم أتعرفه، يحتمل أن يكون هو ابن عبد البر نفسه.

(7) ينظر: فتح الباري، ابن حجر، 186/ 7، وشرح الزُّرْقَانِيّ على المواهب اللدنية، 483/ 6.

491