إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٦٠

و "فَحْلا": تَشْبِيةٌ ويَجُوزُ كَوْنُهُ اسْتِعَارَةً [186 ظ] ولَوْ ذكر المشَبَّهُ الذِي هُوَ جبرِيلُ؛ لِأَنَّ المَرَادَ حَيَوانًا فَحْلًا. وحَيَوَان المسْتَعَارُ لَهُ نَعْتُ فَحْل غَيْرُ مَذْكُورٍ، عَلَى مُخْتَارِ السَّعْدِ (1) فِي قَوْلِكَ: زَيْدٌ أَسَدٌ؛

لِأَنَّ المَرَادَ زَيْدٌ رَجُلٌ كَأَسَدٍ، فَأُعِيرَ أَسَدٌ لِرَجُل" وهُوَ غَيْرُ مَذْكُورٍ، ولَوْ أُرِيدَ بِهِ المَذْكُورُ وهُوَ زَيْدٌ. ومَعْنَى إِفْنَاءِ جِبْرِيلَ لِأَبِي جَهْلِ: تَسَبُّبُهُ فِي فَنَاءِ رُوحِهِ بِالمَوْتِ، أَوْ فِي تَلَاشِيه بالكلية، وذلِكَ كله بالله جل وعلا.

و" حَزْنَانِ": مُبَالَغَةُ حَزِن. وَالشَّانِي": الْبَاغِضُ والمَرَادُ أَبُو جَهْل بنُ هِشَامِ بنِ المغيرة المحْزُومِي، وَكَانَ مِنْ أَشَدِ الْأَعْدَاءِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

مَا

اجْتَمَعَ هُوَ وَقُرَيْش يومًا فَجَاءَهُم النَّبِيءُ له وبالَغَ فِي إِنْدَارِهِم وتَسْفِيهِ أَحْلَامِهِمْ؛ أَيْ: عُقُولِهِم، وسَبِّ آلِهَتِهِم فَأَظْهَرُوا لَهُ شِدَّةَ الإِبَاءِ، والْتَفَتَ فَانْصَرَفَ عنهُم حَزِينًا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو جَهل اللَّعِينُ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّ مُحَمَّدًا قد أبَى إِلَّا مَا تَرَوْنَ وإِنِّي أَعاهِدُ اللهَ لَأَجْلِسَنَّ لَهُ غَدًا بِحَجَرٍ يُطِيقُ حَمْلَهُ، فَإِذَا سَجَدَ فِي صلاتِهِ رِضَخْتُ بهِ رَأْسَهُ، فَأَسْلِمُونِي عِنْدَ ذلِكَ أَو امْنَعُونِي، فَلْيَصْنَعْ بِي بنُو عَبْد مَنَاف مَا بَدَا لَهُم، فقالوا: والله ما نُسْلِمُكَ لِشَيْءٍ أَبَدًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخَذَ حَجَرًا كَمَا وَصَفَ، فلما سجَدَ الله كَعَادَتِهِ وقُرَيْسُ يَنْظُرُونَ، احْتَمَلَ اللَّعِينُ الحَجَرَ ثُمَّ أَقْبَلَ نَحْوَهُ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُ رَجَعَ مُنْهَزِمًا، مسْتَنْقِعًا لَوْنُهُ مرْعُوبًا، يَبِسَتْ يدَاهُ علَى حجره حتَّى قَذَفَهُ فقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا: مَا لَكَ يَا أَبَا الْحَكَم؟ قالَ: قُمْتُ إِلَيْهِ لأَفْعَلَ بِهِ مَا قُلْتُ لَكُم البَارِحَةَ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ عَرَضَ لِي دُونَهُ فَحْلٌ مِنَ الإِبل، لَا وَاللهِ ما رَأَيْتُ مِثْلَ هَامَتِهِ، وَلَا مِثْلَ صُورَتِهِ وأَنْيَابِه لِفَحْلٍ قَطُّ، فَهَمَّ بِي أَنْ يَأْكُلَنِي. ذُكِرَ أَنَّهُ قالَ: ((ذلِكَ جِبْرِيلُ لَوْ دَنَا مِنِّي لَأَخَذَهُ)) (2).

وذكر عياض في "الشّفاء" من حدِيثِ أَبي هريْرَةَ: إِنَّ أبا جهْلٍ وَعَدَ قُرَيْشًا لَئِنْ رَأَى مُحَمَّدًا يُصَلِّي لَيَطأَنَّ رَقَبَتَهُ، فَلَمَّا صَلَّى النَّبِي ء ا ل لا أَعْلَمُوهُ فَأَقْبَلَ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنهُ ولَّى هاربًا ناكصًا على عَقِبَيْهِ، مُتَّقِيًا بِيَدَيْهِ، فَسُئِلَ فَقَالَ: لَوْ (3) دَنَوْتُ مِنْه أَشْرَفْتُ عَلَى خَنْدَقٍ مَمْلُوءٍ نَارًا كِدْتُ أَهْوِي فِيهِ، وأَبْصَرْتُ هَوْلًا عَظِيمًا، وخَفْقَ أَجْنِحَةٍ قَدْ مَلَأَت الْأَرْضَ. فقال النَّبِي ءُ: تِلْكَ المَلَائِكَةُ، لَوْ دَنَا لَاخْتَطَفَتْهُ عُضْوًا عُضْوا)) ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ عَلَى نَبِينِهِ: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْفى) إلى آخر السورة (5).

(1) سعد الدين التفتازاني صاحب شرح تلخيص المفتاح في المعاني والبيان.

(2) دلائل النبوة، البيهقي، 190/ 2.

(3) في الشفا: لما،

وهو

أنسب.

(4) العلق: 6.

(5) الشفا، القاضي عياض، ص 340.

493