إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٧٦

لمَّا رَأَتْ قُرَيْش عِزَّ رَسولِ الله له الاهلن با من معه، وإِسْلَامَ عُمَر وعِزَّةَ أَصْحَابِهِ بالحَبَشَةِ، وفُشُوَّ الإِسْلامِ في الْقَبَائِلِ أَجِمَعُوا أَنْ يَقْتُلُوا النَّبِيءَ صلى الله عليه وسلم وقالُوا: قَدْ أَفْسَدَ أبناءنا ونِسَاءَنا، وقَالُوا لِقَوْمِهِ: خُذُوا مِنَّا دِيَّةً مُضَاعَفَةً، ويَقْتُلُهُ رَجُلٌ مِن غَيْرِ، قرَيْش، فتُرِيحُونَا وتُرِيحوا أَنْفُسَكُم.

وممَّا يُذكَرُ في هذا المقامِ، أَنَّهُمْ قَالُوا لِأَبِي طَالِب هَذَا عُمَارَةُ بنُ الْوَلِيدِ أَعَزُّ فَتَّى فِي قُرَيْشٍ، خُذْهُ بَدَلَ ابْنِ أَخِيكَ وأَحْضَرُوهُ لَدَيْهِ، وأَعْطِنَا ابْنَ أَخِيكَ نَقْتُلْهُ، فَقَالَ: أَنْصَفْتُمُونِي أُرَبِّي لَكُمْ وَلَدَكُم وتَقْتُلُونَ ابْنِي، وَعَزَمُوا عَلَى قَتْلِهِ صلى الله عليه وسلم.

فَبلغ ذلِكَ أَبَا طَالِبٍ فَجَمَعَ بَنِي هاشم وبني المطَّلِبِ، فأَمَرَهُم فَأَدْخَلُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِشِعْبِهِمْ، ومنَعُوهُ مِمَّن أَرَادَ قَتَلَهُ لمَّا سأَلَهُم أَبُو طَالِبٍ وأَجْلَبُوا لِذَلِكَ حَتَّى كَفَّارَهُم، فَعَلَوا ذلِكَ عَلَى عَادَةِ الجَاهِليَّة، فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْش ذلِكَ، أَجْمَعُوا وأيَتَمَرُوا أَنْ يَكْتُبُوا كِتَابًا يَتَعَاقَدُونَ فِيهِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي المطَّلِبِ أَن لَا يَنْكِحُوا إِلَيْهِم، بفَتْحِ اليَاءِ، وَلَا يُنْكِحُوهُم بضَمِّها، أي: لَا يُزَوِّجُوهُمْ نِسَاءَهُم، وَلَا يَبِيعُوا مِنْهُمْ شَيْئًا ولا يبْتَاعُوا، ولا يَقْبَلُوا مِنهُمْ صُلْحًا، ولَا تَأْخُذهُمْ بِهِمْ رَأْفَةٌ حَتَّى يُسْلِمُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِلْقَتْلِ. [192 ظ] وَكَتَبَ لَهُمْ مَنْصُورُ بنُ عِكْرِمَةَ صَحِيفَةً فشَلَّتْ يَدُهُ فِيمَا ذَكَرُوا، وهُوَ مَشْهُورٌ، وصَدرَ بهِ ابْنُ حَجَر (1).

وقَالَ صَاحِبُ النُّورِ " (2): الظَّاهِرُ إنَّه مَاتَ كافِرًا، أو قِيلَ: كَتَبَهَا لهُم بَغِيضُ بنُ عَامِرٍ بنِ هَاشِم بن عَبْدِ مَنَاف بنِ عَبْدِ الدَّارِ بنِ قصي، فشَلَّتْ يَدُهُ، أَيُّهُما كتبهَا فَقَدْ شَلَّتْ يُمْنَاهُ الَّتِي كَتَبَ بِهَا مِنْصُورٍ بغيض، والظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّ بَغِيضًا كَاسمِهِ ماتَ كَافِرًا، والشَّلَلُ: هُو فَسَادٌ فِي الْيَدِ وبُطْلانُ لِعَمَلِها، ولَيْسَ مَعْنَاهُ الْقَطْعُ كَمَا زَعَمَ بَعْضُ.

وقالَ ابنُ هِشَامٍ كَتَبَهَا لَهُم النَّضْرُ بنُ الْحَارِثِ فَدَعَا عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم فشلَّتْ بَعْضُ أَصَابِعِهِ (3)، وقُتِلَ كافِرًا بَعْدَ بدْرٍ. وقِيلَ: كتَبَهَا هِشَامُ بنُ عَمْرو بنِ الْحَارِثِ الْعَامِرِي، وهُوَ مِن الذِينَ سَعَوْا فِي نَقْضِها، قالَهُ ابْنُ إِسْحَاق وَابْنُ عُقْبَةَ وغَيْرُهُمَا، أَسْلَمَ وَكَانَ مِنَ المُؤلَّفَةِ.

وقيل: كَتَبَهَا طَلْحَةُ بنُ أَبي طَلْحَةَ العَبْدَرِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَر (4). وقِيلَ: كَتَبَهَا منصُورُ بنُ عَبْدِ شرحبيل بن هَاشِمٍ، حَكَاه الزُّبَيْرُ بنُ بَكَار مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ بِغِيضُ فَقَط. قالَ السُّهيلي: والزُّبَيْرُ أَعْلَمُ بِالْأَنْسَابِ (5). ويُجْمَعُ بأَنَّهُ نسَحُوا بَها نُسَحًا وعلَّقوا الصَّحِيفَةَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وتَمَادَوا عَلَى الْعَمَلِ

(1) فتح الباري، ابن حجر، 192/ 7.

(2) نور النبراس في شرح سيرة ابن سيد الناس، لبرهان الدين إبراهيم بن محمد الحلبي، ت:841 هـ. كشف الظنون، حاجي خليفة، 1183/ 2.

(3) سيرة ابن هشام، 350/ 1. (4) فتح الباري، ابن حجر، 192/ 7. (5) الروض الأنف، السهيلي، 215/ 3.

509