الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٨٢فَرَقًا أَنْ يَبْلُغَنِي شَيْءٌ مِنْ قَوْلِهِ، وأَنَا لَا أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَهُ فَغَدَوْتُ إِلَى المَسْجِدِ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَقُمْتُ مِنْهُ قَرِيبًا فَأَبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُسْمِعَنِي بَعْضَ قَوْلِهِ، فَسَمِعْتُ كَلَامًا حَسَنًا، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاتَكُل أُمّي، واللهِ إِنِّي لَرَجُلٌ لَبِيبٌ شَاعِرٌ، ومَا يَخْفَى عَلَيَّ الحَسَنُ مِنَ الْقَبِيحِ، فَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَسْمَعَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ مَا يَقُولُ، فإِنْ كَانَ الذِي يَأْتِي بِهِ حَسَنًا قَبِلتُهُ، وإِنْ كَانَ قَبِيحًا ترَكْتُهُ، فَمَكَنْتُ حَتَّى انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ إِلَى بَيْتِهِ، فَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا مُحَمَّد إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ قَالُوا لِي: كَذَا وَكَذَا لِلَّذِي قَالُوا، فواللهِ مَا بَرِحُوا يُخَوِّفُونَنِي أَمْرَكَ حَتَّى سَدَدْتُ أُذُنَيَّ بِكُرْسُفٍ لِئَلَّا أَسْمَعَ قَوْلَكَ، ثُمَّ أَبَى اللهُ إِلَّا أَن يُسْمِعَنِي قَوْلَكَ، فَسَمِعْتُ قَوْلًا حَسَنًا، فَاعْرِضْ عَلَيَّ أَمْرَكَ، فَعَرَضَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الإسلامَ فَتَلَا عَلَيَّ الْقُرْآنَ، فَلَا وَاللهِ مَا سَمِعْتُ قَوْلًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ وَلَا أَمْرًا أَعْدَلَ مِنْهُ، فَأَسْلَمْتُ وشَهِدْتُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي امْرُةٌ مُطَاعٌ فِي قَوْمِي، وَأَنَا رَاجِعْ إِلَيْهِمْ فَدَاعِيهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ [195] فَادْعُ اللهَ لِي أَنْ يَجْعَلَ لي آيَةً تَكُونُ لِي عَوْنًا عَلَيْهِمْ فِيما أدعُوهُم إليه. فقال: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُ آيَةً) فَخَرَجْتُ إِلَى قَوْمِي حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِثَنِيَّةٍ تُطْلِعُنِي على الْحَاضِر، وَقَعَ نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيَّ مِثْلُ المَصْبَاحِ الْحَاضِر، وَقَعَ نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيَّ مِثْلُ المصباح فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ فِي غَيْرِ وَجْهِي، إِنِّي أَخْشَى أَن يَظُنُّوا أَنَّهَا مُثْلَةٌ وقَعَتْ فِي وَجْهِي لِفِراقِ دِينِهِم، قَالَ: فَتَحَوَّلَ فَوَقَعَ فِي رَأْسِ سَوْطِي، فَجَعَلَ الحَاضِرُ يَتَرَاءَوْنَ ذَلِكَ النُّورَ فِي سَوْطِي كَالْقِنْدِيلِ المُعَلَّقِ وأَنَا أَهْبِطُ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيَّةِ حَتَّى جِئْتُهُمْ فَأَصْبَحْتُ فِيهِم. ولمَّا نزَلْتُ أَتَانِي أَبِي، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا فَقُلْتُ: إِلَيْكَ عَنِّي فلستُ مِنْكَ ولَسْتَ مِنِّي، قَالَ: لِمَ يَا بُنَيَّ؟ قُلْتُ: أَسْلَمْتُ وتَبِعْتُ دِينَ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَيْ بُنَيَّ فدِينِي دِينُكَ قَالَ: فَقُلْتُ فَاذْهَبْ فَاغْتَسِلْ وَطَهِّرْ ثِيَابَكَ فَفَعَلَ، وجَاءَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ. ثمَّ أَتَتْنِي صاحِبَتِي، فَقُلْتُ: إِلَيْكِ عَنِّي فَلَسْتُ مِنْكِ وَلَسْتِ مِنِّي، قَالَتْ: لِمَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؟ فَقُلْتُ: فَرَّقَ بَيْنِي وبَيْنَكِ الْإِسْلَامُ، وتَابَعْتُ دِينَ مُحَمَّدٍ، قَالَتْ: فَدِينِي دِينُكَ، فَقُلْتُ: فَاذْهَبِي إِلَى حناذ الشراء (1)، ويُقال: حماد الشّراء (2)، فتَطَهَّرِي مِنْهُ. وَكَانَ ذو الشّراء صَنَمَّا لِدوس، وكانَ الْحِمَى حِمَّى حَمَوْهُ لَهُ، بِهِ وَشَرٌ (3) مِنْ مَاءٍ يَهْبِطُ مِنْ جَبَلٍ. فَقَالَتْ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَتَخْشَى عَلَى الصَّبِيَّةِ مِنْ ذِي الشّرَاءِ شَيْئًا؟ قُلْتُ: لَا أَنَا ضَامِنٌ فَذَهَبَتْ وَاغْتَسَلَتْ ثُمَّ جَاءَتْ فَعَرَضْتُ عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَتْ. ثُمَّ دَعَوْتُ دوسا إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَبْطَؤُوا عَلَيَّ ثُمَّ جئتُ رَسُولَ اللهِ لا فَقُلْتُ لَهُ: يَا نَبِيءَ اللهِ ادْعُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ اهْدِ (دوسا الْحَدِيث، فَأَسْلَمَ مَنْ شَاءَ اللهُ مِنْهُم (4).
،
(1) في سيرة ابن هشام: حنا ذي الشرى، وفي دلائل النبوة: حَنَى ذِي الشَّرَى.
(2) في سيرة ابن هشام: حمى ذي الشرى.
(3) الوشل بالتحريك الماء القليل يَتَحَلَّب من جبل أو صخرة يقطر منه قليلاً قليلاً لا يَتَّصِل قطره. لسان العرب (وشل). (4) سيرة ابن هشام،382/ 1، ودلائل النبوة، البيهقي، 360/ 5.
515