إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٩٠

وأَرَيْتَهُ آيَةً أُخْرَى غَيْرَ ذَلِكَ، هِيَ أَنْ تَدْعُو هَذِهِ الأَيْكَةَ؛ أَيْ: الشَّجَرَةَ فَتَأْتِيكَ وَتَرْجِعِ إِلَى مَكَانِها، فَفَعَلَتْ بِإِذْنِ اللهِ. وجَاءَتْ شَجَرَةٌ أُخْرَى، فِي غَيْرِ هَذِهِ القِصَّةِ، تَقْطَعُ الأَرْضَ حَتَّى وَصَلَتْكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ وَسَلَّمَ،

وأَقَرَّتْ عِنْدَكَ بِأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ إِلَى الْخَلْقِ، وَرَجَعَتْ بأَغْصَان. وشَجَرَتَانِ أَيْضًا مُفْتَرِقتَانِ أَمَرْتَهُما بِأَنْ تَجْتَمِعا، فَاجْتَمَعَنَا وَأَمَرْتَهُما بِالافْتِرَاقِ فَافْتَرَقَتَا بِرُجُوعِ كُلَّ مَوْضِعِهِ، مَا أَمَرْتَ بِهِ [197] يطِيعَانِكَ فِيهِ. كما قُلْتَ لأنس بن مالك: قُلْ لِهَؤلاءِ النَّخْلَاتِ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُكُنَّ أَنْ تَأْتِينَ، فَقَالَ فَأَتَيْنَ.

و"ذَا": بِمَعْنَى صَاحِب وَاقِعٌ عَلَى الشَّأْنِ؛ أَيْ: مِنْ صَاحِبِ ركانة، أَيْ: شَأْنِ ركَانَة. وأَنتَ الركن لِتَأْوِيلِهِ بِالْقُوَّةِ أَوِ الْجِهَةِ، وضَمَّنَ "أَلْقَيْتَهُ مَعْنَى صَرَعْتَهُ، فَصَرْعًا": مَفْعُولٌ مُطْلَق، ومَرَّتْ أَعَارِيبُ أُخْرَى.

وكَذَا "سعيًا" بِمَعْنَى سَاعِيَاتٍ، أَوْ ذَوَاتِ سَعْيِ أَوْ سَعْيَا: مَفْعُولٌ مُطَلَقٌ لِتَضَمُّن أَطَعْنَاكَ مَعْنَى

سَعَيْنَا إِلَيْكَ. وهُنا فَصْلَانِ:

[الفصل] الأَوَّلُ: فِي قُوَّةِ بَدَنِهِ

قالَ ابنُ إِسْحَاق: حَدَّثَنِي أَبِي إسحاق بن يسار قال: كان ركانة أَشَدَّ قُرَيْشٍ يَصْرَعُ النَّاسَ ولا يَصْرَعُونَهُ، فَخَلَا يَوْمًا بِرَسُولِ اللهِ الله له في بَعْض شعابِ مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((يا ركَانَةَ أَلَا تَتَّقِي الله وتَقْبَل مَا أَدْعُوكَ إِلَيْهِ وقَالَ: لَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ الذِي تَقُولُ حَقٌّ لَاتَّبَعْتُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((أَفَرَأَيْتَ إِنْ صَرَعْتُكَ أَتَعْلَمُ أَنَّ مَا أَقُولُ حَقٌّ؟)) قالَ: نَعَمْ. قَال: ((فَقُمْ حَتَّى أُصَارِعَكَ)) فَقَامَ رَكانةُ إِلَيْهِ فَصَارَعَهُ فَلَمَّا أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ الله أَضْجَعَهُ ولَمْ يَمْلِكُ مِن نفْسِهِ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: عُدْ يا مُحَمَّد، فَعَاد فَصَرَعهُ، فقال: يَا مُحَمَّد إِنَّ هَذَا لَعَجَبٌ أَتَصْرَعُنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ إِنْ شِئْتَ أُرِيكَهُ إِن اتَّقَيْتَ اللهَ واتَّبَعْتَ أَمْرِي)) قَالَ ما هُوَ؟ قَالَ: ((أَدْعُو لَكَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ الَّتِي تَرَى فتَأْتِينِي)) فقَالَ: ادْعُهَا فَدَعَاهَا فَأَقْبَلَتْ حَتَّى وقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهَا: ارْجِعِي إِلَى مَكَانِكِ فَرَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَذَهَبَ رَكَانَةُ إِلى قَوْمِهِ فَقَالَ: يا بني عبد مناف سَاحِرُوا بِصَاحِبِكُمْ أَهْلَ الْأَرْضِ، فَوَاللهِ مَا رَأَيْتُ أَسْحَرَ مِنْهُ قَطُّ، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بِالذِي رَأَى وَالذِي صَنَعَ (1).

قُلتُ: ثُمَّ مَنَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى رَكَانَةَ بِالإِسْلَامِ بَعْدَ هَذَا.

(1) سيرة ابن هشام، 390/ 1 - 391.

523