الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٠٨وإِسْنَادُ التَّخْفِيفِ وَالْإِبْقَاءِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَالله مَجَازٌ عَقْلِي مِنَ الْإِسْنَادِ إِلَى الْوَاسِطَةِ، وَالْمُخَفِّفُ والْمُبْقِي حَقِيقَةً هُوَ اللهُ جَلَّ وعَلَا.
وهُنَا فُصُولٌ: الْأَوَّلُ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى الْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ، والثَّانِي فِي الْإِسْرَاءِ بِهِ صلى الله عليه وسلم والثَّالِثُ: فِي
أَبْيَاتٍ تُشْبِهُ قَوْلَهُ: وَكَمْ آيَةٍ قَدْ نِلْتَ ثَمَّ عَظِيمَةٍ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: رِسَالَتْهُ إِلَى الْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ]
الجِنُّ عِنْدَنا وعِنْدَ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ أَجْسَامٌ مِنْهَا كَثِيفَةٌ () ومِنْهَا رَقِيقَةٌ، وزعَمَت الْمُعْتَزِلَةُ أَنَّهَا كُلُّهَا رَقِيقَةٌ، وَإِنَّمَا لَا نَرَاهَا لِرِقْتِها.
قُلْنَا: يَجُوزُ أَنْ يُخْفِيَ اللهُ عَنَّا الْأَجْسَامَ الْكَثِيفَةَ والرَّقِيقةَ، والرّقَةُ لَا تَمْنَعُ الرُّؤْيةَ، وَالْغِلَظُ لَا يُوجِبُها، والرُّؤيَةُ يَخْلُقُها اللهُ فِينَا حَيْثُ شَاءَ.
ذَكَرَ الْبَيْهَقِي عن الشَّافِعِي أَنَّهُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَرَى الْجِنَّ غَيْرُ الأَنْبِنَاءِ أَبْطَلْنَا شَهَادَتَهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ
نَبِيئًا. وهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَن ادَّعَى رُؤيَتَهُم عَلَى صُوَرِهِم التِي حُلِقُوا عَلَيْهَا.
في
قُلْتُ: يُحْمَلُ عَلَى مَن ادَّعَى أَنَّهُ يَرَاهُمْ عَلَى الاسْتِمرارِ، كُلَّمَا أَرَادَ أَوْ كُلَّما حَضَرُوا؛ لِأَنَّهُ احْتَجَّ
ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُم بِمُضَارِعٍ يُنَاسِبُ الاسْتِمْرَارَ الْمَدْلُولَ عَلَيْهِ فِي سِياقِ الاسْتِمْرَارِ. فَلَا يُقَدَّمُ فِيمَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ يَرَاهُمْ عَلَى التَّحْيِيلِ ولَوْ مُطْلَقًا، ولا فِيمَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ رَأَىهُمْ عَلَى حَقِيقتِهِمْ فِي وَقْتٍ فَصَاعِدًا، لَا كُلَّمَا أَرَادَ، وقَدْ ألَّفتُ فِي ذَلِكَ رِسَالَةً. وتَخَيَّلُهُم لَا يُطِيقُونَهُ إِلَّا بِضَرْبٍ
مِنَ الفِعْلِ إِذَا فَعَلُوهُ، كَالسِّحْرِ.
وعِبَارَةُ بَعْضٍ: لَا يَنْتَقِلُونَ عَنْ صُوَرِهِم الأَصْلِيَّة، بَلْ تَحْيِيلٌ فَقَطْ بِلا فِعْلٍ شَبِيهِ بِالسِّحْرِ. أَقْدَرَهُم
اللهُ علَى ذَلِكَ، كَمَا يَنْطَوِي الْمَلَكُ.
(1) في الأصل: كتيفة.
(2) فتح الباري، ابن حَجَر، 344/ 6 نقلا من مناقب الشَّافِعِي للبيهقي، وينظر: مناقب الإمام الشافعي، الآبري، ص 91.
(3) سورة الأعراف: 27. (4) شرح المواهب، الزرقاني، 238/ 7
541