الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٠٩وهُمْ مُكَلَّفُونَ، وزَعَمَت الْحَشَوِيَّة أَنَّهُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ، وَأَنَّهُم اضْطَرُّوا إِلَى أَفْعَالِهِم، ويَرُدُّهُ أَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ خَاطَبَهُمْ بِمَا هُوَ تَكْلِيفٌ، وأَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُم الْوَعْدَ والْوَعِيدَ، وكذَا فِي الْحَدِيثِ. وَمِنْ ذَلِكَ: حَدِيثُ الْجِنِّ فِي أَنَّ العِظامَ المذكورُ اسْمُ اللهِ عَلَيْها طَعَامٌ لَهُمْ. وأَمَّا الرَّوثُ فَعَلفُ دَوَاتِهِمْ، فَلَا دَلِيلَ فيهِ، كَذَا قِيلَ فِيهِ دَلِيلٌ؛ لأَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يُبْقُوا دَوَابَّهُمْ عَلَى أَكْلِ مَا نَجسَ مِنْهُ.
وَزَعَمَ بَعْضٌ أَنَّهُم مُكَلَّفُونَ بِالتَّوحِيدِ وأَرْكَانِ الْإِسْلَام فَقَطْ؛ لِأَنَّهُم لَا يَجِدونَ تَعلُّم ذلِكَ. قُلْتُ: قَدْ وَجَدُوا التَّعَلُّمَ مِنَ النَّبِي ا ومِن المُؤمِنِينَ، ويَحْضُرُونَ مَجَالِسَ الْعِلْمِ، وَلَا يَشْعُرُ الْإِنْسُ بِهِمْ، وَقَدْ يَشْعُرُونَ بِهِمْ ويَسْمَعُونَ سُؤَالَهُم ويَقْبَلُونَ الْجَوَابَ [205] ويَحُجُّونَ ويَفْعَلُونَ أَفْعَالَ الْبِرِ كُلها، وقَدْ يَرَاهُم النَّبِيءُ الله بِقُوَّةٍ يَحُصُّهُ اللهُ بِهَا. بَلْ ذَكَرَ ابن عطيّة وغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُمْ مُكَلَّفَونَ بِهَذِهِ الشريعة). وذَكَرَ بَعْضُ الإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُم يُعاقَبُونَ عَلَى الْمَعَاصِى
الْجَنَّةَ.
(4)
واخْتَلَفُوا هَلْ يُنَابُونَ وهُوَ الصَّوابُ، لِأَنَّهُ مُقَابِلُ الْعِقَابِ؛ إِنَّمَا يُعَاقَبُ مَنْ يُتَابُ، وَيَدْخُلُ مُطِيعُهُم
قال الحارث بن أسَد المحاسبي (5): إِنَّا نَرَاهُم فِي الْجَنَّةِ وَلَا يَرَوْنَنَا». ويَتَنَعَمُونَ فِي الْجَنَّةِ بِمَا يَتَنَعَمُ بِهِ الْمُؤْمِنَونَ مِنْ بَنِي آدَمَ.
وقَالَ مُجَاهِدُ: يُلْهَمُونَ التَّقْدِيسَ والتَّسْبِيحَ، فَيَجِدُونَ في ذَلِكَ مَا يَجِدُ الْإِنْسِ مِنَ اللَّذَّةِ، وَقِيلَ: يَكُونُونَ فِي رَبْضِ الْجِنَّةِ، وقِيلَ: فِي الْأَعْرَافِ، وقِيلَ: بِالْوَقْفِ))
(1) شرح المواهب، الزرقاني، 238/ 7. (2) هو الزرقاني، (م، س)، 238/ 7. (3) (م، س)، 238/ 7.
(4) هو الزرقاني، (م، س)، 238/ 7.
(5) المُحَاسِبِي (قيل له ذلك لأنه كان يحاسب نفسه) أَبُو عَبْدِ اللهِ الحَارِثُ بنُ أَسَدٍ البَغْدَادِي الزَّاهِدُ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ الزُّهْدِيَّةِ، يَرْوِي عَنْ: يَزِيْدَ هَارُونَ يَسِيراً. رَوَى عَنْهُ: ابْنُ مَسْرُوْق وَأَحْمَدُ بنُ القَاسِمِ، وَالجُنَيْدُ، لَهُ كُتُب كَثِيرَةٌ فِي الزُّهْدِ، وَأَصُولِ الدِّيَانَةِ، وَالرَّةٌ عَلَى المُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ. سير أعلام
بن
النبلاء، الذهبي، 110/ 12. (6) شرح المواهب، الزرقاني، 239/ 7.
(7) في الأصل: مجاهدون. (8) شرح المواهب، الزرقاني، 239/ 7.