الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١١١وقَدْ قِيلَ: لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ، وهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ؛ إِنَّهُ صلى الله عليه وسلم غَيْرُ مُرْسَلِ إِلَى الْمَلَائِكَةِ، فَتَضْعُفُ دَلَالَةُ الْعَامّ علَى أَفْرَادِهِ؛ لاحْتِمَالِهِ التَّخْصِيصَ زِيَادَةً عَلَى مَا حُصَّ بِهِ، فَحَيْثُ ثَبَتَ اسْتِثْنَاءُ الْمَلَائِكَةِ منَ الْعَالَمِينَ جازَ اسْتِثْنَاءُ الْجِنِّ أَيْضًا ().
الْجَوَابُ: إِنَّ العَامَّ الْمَحْصُوص حُجَّةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَالأُصُولِيِّينَ مُطْلَقًا؛ لاسْتِدْلَالِ الصَّحابَةِ بِهِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، وقِيلَ: إِنْ حُصَّ بِمُعَيَّنٍ لَا مُبْهَمكَ اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَّا بَعْضَهُمْ، وَقِيلَ: إِنْ حُصَّ: بِمُتَّصِلٍ كَالصَّفَةِ، ومَحَلُ الْخِلافِ أَنْ يُقَالَ حَقِيقَةٌ، وَإِلَّا احْتُجَّ بِهِ جَزْمًا، وَلَوْ بَطْلَ الاسْتِدْلَالُ بِالْمَعْمُومَاتِ الْمَحْصُوصَةِ لَبَطْل الاسْتِدْلالُ بأَكْثَرِ الْأَدِلَّةِ؛ لِكَوْنِها مَخْصُوصَةً، وَهُوَ خِلَافُ عَمَلٍ الصَّحَابَةِ والأَئِمَّةِ بَعْدَهُمْ، وقَالَ اللهُ تَعَالَى: أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ) فَأَمْرُ بَعْضِهِم بَعْضًا بِإِجَابَتِهِ دَلِيلٌ
(3)
علَى أَنَّهُ دَاعٍ لَهُم، وهُو مَعْنَى بِعْتَتِهِ لَهُمْ. وَقَالَ تَعَالَى: {لِأُنذِرَكُم بِهِ [6205] وَمَنْ بَلَغَ وَالْجِنُّ
ص
31
بَلَغَهُم الْقُرْآنُ، وَقَالَ: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَنِ) وهُمَا الْإِنْسُ وَالْجِنِّ، وَقَالَ: {وَلِمَنْ خَافَ
46
مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَنِ) وقَدْ قِيلَ: مِنَ الْجِنِّ مُقَرَّبُونَ وأَبْرَارٌ كالإِنْسِ، وَقَالَ: ((أُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً) فَشَملَ الْجِنَّ وَالْمَلَائِكَةَ، وحَمْلُهُ علَى الْإِنْسِ خَاصَّةً تَخْصِيصٌ بِلَا مُحْصِصِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ،
والْكَلَامُ فِيهِ مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرٌ.
(1) شرح المواهب، الزرقاني، 240/ 7.
(2) سورة الأحقاف: 31.
(3) سورة الأنعام: 19.
(4) سورة الرحمن: 31.
(5) سورة الرحمن: 46.
(6) صحيح مسلم، حديث (523).
(7) سورة الفرقان: 1.
544