الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١١٥الفَصْلُ الثَّانِي: [الإِسْرَاءُ بِهِ]
الإِسْرَاءُ وَاحِدٌ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وهُوَ فِي الْيَقَظَةِ إِلَى الْمسجد الأقصى فقط، وقِيلَ إِلَى الْعَرْشِ نَوْمًا، وقِيلَ إِسْرَاآنِ وَاحِدٌ يَقَظَةً والآخَرُ مَنَامًا، كُلُّ مِنْهُمَا فِي لَيْلَةٍ، مَرَّةً بِرُوحِهِ وبَدَنِهِ يَقَظَةً، ومَرَّةً مَنَامًا، ولَيْلَةُ الْيَقَظَةِ غَيْرُ لَيْلَةِ الْمَنَامِ، وقِيلَ: يَقَظَةً بِرُوحِهِ وجَسَدِهِ مِنَ الْمسجد الحرام إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، ثُمَّ مَنَامًا مِن الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إِلَى الْعَرْشِ، والإِسْرَاءُ يَقَظَةً والْمِعْرَاجُ مَنَامًا.
واحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الرُّؤْيَا رُؤيَا مَنَامٍ، مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِنَاءِ حَقٌّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا
(1)
جَعَلْنَا الرُّيَا أَلتِ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ لِأَنَّ النَّظَرَ فِي الْيَقَظَةِ رُؤيَةٌ لا رُؤْيَا، وقَدْ أَنْكَرَ ابن مالك
والحريري (2) وغَيْرُهُمَا (3) عَلَى المتنبي
قَوْلَهُ:
ورُؤْيَاكَ أَحْلَى فِي الْعُيُونِ مِنَ الغَضِ (4) (5)
وقالُوا: الصَّوابُ رُؤْيَتُكَ؛ لِأَنَّها بَصَرِيَّةٌ لَا حُلمِيَّةٌ.
ويُجَابُ بِأَنَّ الْمُعْجِزَةَ، بل الآيَة، تَتَحَصَّلُ بِالْجَسَدِ لَا بِالْمَنَامِ، فَنَحْتَاجُ لِتَأْوِيلِ الرُّؤْيَا بِالرُّؤْيَةِ، فنَقُولُ: شَبَّهَ الرُّؤْيَةَ بِالرُّؤْيَا لِوُقُوعِهَا لَيْلًا مَعَ سُرْعَةِ تَقَضِيهَا، كَأَنَّهُ مَنَامٌ، فَهُوَ مَجَازٌ عَلَاقَتُهُ الْمُشَابَهَةُ. وأَيْضًا يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِن الرُّؤْيَا والرُّؤْيَةِ فِيمَا يُسْتَعْمَلَ الآخَرُ، كقُرْبَى وقُرْبَة، قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ: قَالَ أَهْلَ اللّغة: رَأَيْتُ رُؤْيَةً ورُؤْيَا، مِثْلَ قُرْبَةٍ وقُرْبَا).
(1) سورة الإسراء: 60.
(2) القاسم بن علي بن محمد عثمان بن الحريري، صاحب المقامات. بن
(3) ينظر: أوضح المسالك، ابن هشام، 50/ 2.
(4) في الديوان والمواهب: الغمض.
(5) عجز بيت من الطويل، صدره مضى الليل والفضل الذي لك لا يمضي
الديوان، المتنبي، ص 157.
(6) المواهب اللدنية، القسطلاني، 8/ 3.
(7) شرح المواهب، الزرقاني، 4/ 8 - 5.
548