الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٢١قال ابْنُ الْقيم: ذَاكَ طَرِيقُ ضُعَفَاءِ الظَّاهِرِيَّة، كلَّما رَأَوْا تَخَالُفَ الرّواياتِ عدَّدُوا الْوَقَائِعَ، والصَّوابُ أنَّ الإسراء مرَّةً واحِدَةٌ بَعْدَ البِعْثَةِ، كَيْفَ يَصِحُ أَنَّهُ كُلَّ مَرَّةٍ تُفْرَض عليْهِ (1) الصَّلَاةُ خَمْسِينَ؟، ثُمَّ يَتَرَدَّدُ
بيْنَ رَبِّهِ وموسَى حَتَّى تصِيرَ خَمْسًا، يَقُولُ: ((أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي)) ثُمَّ يُعِيدُها خَمْسِينَ كَذلِكَ ثُمَّ يَرُدُّها إِلَى خَمْسٍ، وهَكَذا.
وذَكَرَ بَعْضُ أَنَّهُ الله وقَعَ لَهُ إِسْرَاءُ بالمدينةِ بَعْدَ الإِسْراءِ بِمَكَّةَ.
قال ابنُ حَجَر: إِنَّ الإِسْراءَ الوَاقِعَ بالمَدِينَةِ لمْ يقَعْ فِيهِ ما وقَعَ بِمَكَّةَ مِن اسْتِفْتَاحِ أَبْوَابِ السَّمَاءِ بابا بابا، ولَا مِنْ لِقَاءِ الأَنْبِناءِ كُلِّ واحِدٍ في سَمَاءٍ، ولا الْمُرَاجَعَة مع مُوسَى اللَ في أَمْرِ الصَّلاةِ، وَلَا طَلَبِ تَخْفِيف، وإِنَّما تَكَرَّرَتْ قضايَا كَثِيرَةٌ سِوَى ذلك، رآها النَّبِي فَمِنْهَا بِمَكَّةَ البعضُ وَمِنْهَا بالمدينة بعْدَ الهجرة، ومُعْظَمُها فِي الْمَنَامِ (3).
وأَثْبَتَ أبو شامةَ تعدُّدَ المِعْراج لِمَا أَخْرَجَهُ البَزَّارُ وسعيد بن منصور عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: بَيْنًا أَنَا جَالِسٌ إِذ جَاءَ جبْرِيلُ فوَكَزَ بَيْنَ كَتِفِيَّ، فَقُمْنَا إِلَى شَجَرَةٍ فِيهَا مِثْلُ وَكْرَيْ الطَّائِرِ، فَقَعَدْتُ فِي أَحَدِهِمَا وَقَعَدَ جِبْرِيلُ فِي الآخَرِ، فَارْتَفَعَتْ حَتَّى سَدَّت [208 و] الْخَافِقَيْنِ)) وفيه: ((ففتحَ لِي بَاب السَّماءِ، فَرَأَيْتُ النُّورَ الْأَعْظَمَ، وإِذَا دُونَهُ حِجَاب رَفْرَف الدُّرّ واليَاقُوتِ)).
وذَكَرَ الدَّارقطنِي مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مُرْسَلٌ وهِيَ قِصَّةٌ أَخْرَى والظَّاهِرُ أَنَّهَا بِالمَدِينَةِ (5).
ولَا بَأْسَ بِتَعَدَّدِ مِثْلِ هذا، وإِنَّما المُمْتَنِعُ تَعَدُّدُ إيجابِ الصَّلاةِ وعَدِّها، وتَعَدُّدُ السُّؤال والجوابِ عمَّا عَرَفَ فَيَتَعَيَّنُ رَدُّ بَعْضِ الرِّواياتِ إِلى بَعْضٍ أو التَّرْجِيح، نَعَمْ لَا بَأْسَ بِوُقوعِ ذَلِكَ مَنَامًا ثُمَّ يَقَظَةً، كمَا مَرَّ تَوْطِئَةً، أو بِالْعَكْسِ فَيَكُونُ يَنْبَغِي أَنَّ الذِي بِالْمَنَامِ فِي الْمَدِينَةِ، والذِي بِاليَقَظَةِ فِي مَكَّةَ.
(1) في الأصل: عليهم.
(2) زاد المعاد، ابن القيم،
(3) فتح الباري، ابن حجر،
38/ 3
407/ 11
(4) مسند البزار، حديث (7389)، وفتح الباري، ابن حجر، 407/ 11،
(5) شرح المواهب، الزرقاني، 12/ 8.
554