الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٢٢وزَعَمَ بَعْضُ العَارِفِينَ أَنَّ لهُ الله أَرْبَعَةً وثلاثِينَ مَرَّةً مِنَ الإِسْرَاآتِ، واحِدٌ بجسمه والباقي برُوحِهِ.
والصَّحِيحُ أنَّ الإسراءَ مَرَّةً واحِدَةٌ، وأَنَّهُ بِجَسَدِهِ وأَنَّهُ في اليَقَظَةِ، وهُوَ مَذْهَبُ الجُمْهُورِ مِن الْمُحَدِّثِينَ والفُقَهَاءِ والْمُتَكَلِّمِينَ، وتوَارَدَتْ عَلَيْهِ ظَوَاهِرُ الأَخْبَارِ، ولَا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ إِذْ لَيْسَ فِي الْعَقْلِ ما يُحِيلُه، والله قادِرٌ على ذلِكَ وأَكْثَرَ فِي وَقْتٍ قَلِيل. وأَقَلُّ ما قِيلَ فِي الْقِلَّةِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ فِرَاشِهِ لِلْإِسْرَاءِ
وَوَجَدَهُ عِنْدَ رُجُوعِهِ حَمِيَّا، وأَنَّهُ مَسَّ غُصْنَ شَجَرَةٍ عِنْدَ خُرُوجِهِ فَرَجَعَ قَبْلَ سَكُونِ تَحَرِّكِها.
وقَوْلُ أَصْحَابِ الهَيْئةِ والفَلَاسِفَةِ أَنَّ الأَفْلَاكَ لا تَقْبَلُ الْخَرْقَ والالْتِقَامَ يَرُدُّهُ الْعَقْلُ والنَّقْلُ، لا العَفْلُ خَرْقَ مَخْلُوقٍ مِنْ الْأَجْسَامِ ولا الْيَتَامَهُ، وجَاءَ الشَّرْعُ بِأَنَّ لِلسَّمَاواتِ أَبْوَابًا، وَجَاءَ عَرْشُ بلقيس فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، مَعَ بُعْدِ المَسَافَةِ، ومَا ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِقُدْرَتِهِ مَا هَنَالِكَ هُنَا. وفِي الْهَنْدَسَةِ بَيْنَ طَرَفَيْ قُرْصِ الشَّمْسِ ضِعفُ ما بَيْنَ طَرَفَيْ كُرَةِ الْأَرْضِ مِئَةً ونَيّفًا وسِتِّينَ مَرَّةً، ثُمَّ إِنَّ طَرَفَهَا الْأَسْفَلَ يَصِلُ لِمَوْضِع طرفها الأَعْلَى فِي أَقَلَّ مِنْ دَرَجَةٍ).
ويَدُلُّ عَلَى أَنَّ الإِسْرَاءَ بالجَسَدِ القُرآنُ والسُّنَّةُ، أمَّا القُرْآنُ فقَوْلُهُ تَعَالَى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرِى بِعَبْدِهِ (3) والعَبْدُ الْجَسَدُ والرُّوحُ معًا على الظَّاهِرِ المُتَبَادَرِ، ولَمْ يَقُلْ برُوحٍ عَبْدِهِ، وَالْحَذْفُ يَحْتَاجُ لِدَلِيلِ.
10
كمَا قَالَ: أَرَأَيْتَ الذِي يَنْجِي عَبْدًا إِذَا صَلَّى) وذلِكَ أَنَّ أَبا جَهْلٍ لَعَنَهُ اللهُ، يَنْهَى رَسُولَ اللهِ
)
عن الصَّلاةِ، ولَيْسَ يَنْهَى روحَهُ إِذْ لَيْسَت الصَّلاةُ بِهِ، بَلْ بِالْجَسَدِ وبِهِ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنَّهُ لَمَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ) والْعَبْدُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لا روحُهُ خَاصَّةً، فَكَذَا فِي آيَةِ الإِسْرَاء. وأَمَّا الْحَدِيثُ فَقَوْلُهُ: ((أُسْرِيَ بِي لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الأَفْعَالِ أَنْ تَكُونَ فِي الْيَقَظَةِ، حَتَّى يَدُلُّ دَلِيلٌ شَرْعِيّ أَوْ عَقْلِيّ أو حَالِي، فَالْحَقُّ أَنَّ الإِسْرَاءَ بالرُّوحِ والجَسَد في القِصَّةِ كُلِّهَا، كما هُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادَرُ مِن الآياتِ والْأَحَادِيثِ، ولا يعْدلُ عَنِ الظَّاهِرِ مَعَ إِمْكَانِهِ بِلَا ضُعْفٍ إِلَّا بِدَلِيلٍ أو اسْتِحَالَةٍ.
(1) شرح المواهب الزرقاني 13/ 8
(2) (م، س)، 13/ 8.
(3) سورة الإسراء: 1. (4) سورة العلق: 9 - 10.
(5) سورة الجن: 19.
555