إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٢٣

17

وقَدْ قَالَ اللهُ تعالى: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى أَيْ: مَا عَدَلَ عَنْ رُؤْيَةِ مَا أُمِرَ بُرُؤْيَتِهِ [208 ط] من عجائِبِ الملَكُوتِ.

والبَصَرُ حقِيقَةٌ فِي اليَقَظَة، وما كانَ في النَّوم لا خَرْقَ فِيهِ لِلْعَادَةِ، وقَدْ قَالَ: لَقَدْ رأَى مِنَ ايَتِ رَبِّهِ ـ الكبرى ومَا كَانَ في المنامِ لَا يَكُونُ

فتْنَةٌ لِلنَّاسِ الكَفَرَةِ، ولِمَنْ ضَعُفَ إِيمَانُهُ فَارْتَدَّ إِذْ سَمِعَ

ص

18

قِصَّةَ الإِسْراءِ. وَقَدْ تَوَاتَرَ خَبَرُ رَكُوبِهِ لا لا لا الْبُرَاقَ، والدَّابَّةُ لَا تَحْمِلُ الرُّوحَ بَل الْجَسَد. وحُصَّ الإِسْرَاءُ باللَّيلِ معَ أَنَّ غَالِبَ الفرائِضِ بالنَّهارِ، كالصَّومِ والوُقُوفِ بَعَرَفَةَ والطُّهر والعَصْرِ والفجر، تَمْكِينًا لِلتَّخْصِيصِ بِمَقَامِ الْمَحبَّةِ، واللَّيلُ أَخَصُّ زمانٍ للْمُتَحَاتِينَ يَجْمَعُهُمَا، والحَلْوَةُ بالحَبِيبِ مُتَحَقِّقَةٌ بالليل، أو لِيَزْدَادَ الذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا بِالْغَيْبِ، ولِيَفْتَتِنَ الذِينَ كَفَرُوا زِيادَةً عَلَى فِتْنَتِهِمْ، فَإِنَّ اللَّيلَ أَخْفَى حَالًا مِن النَّهارِ، ولَوْ عَرَجَ نَهَارًا لفَاتَ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرُ الإِيمَانِ بِالْغَيْبِ، إِذْ قَدْ يُرَى فِي الطَّرِيقِ، ويَخْلو عنه المكانُ المشاهَدُ هُو فِيهِ، ويُخْبِرُ الرّائِي غَيْرَ الرَّائِي، ولِيكُونَ سَرَيانُهُ بِاللَّيلِ جَبْرًا لَهُ، حَيْثُ انْكَسَرَ بِمَحْوِ آيتِهِ فَمَحَوْنَا آيَةَ أَلَيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةٌ وَلِأَنَّهُ افْتَخَرَ النَّهارُ بالشَّمسِ فقيل له: لا تَفْتَخِرُ فَسَيَعْرُجُ شَمْسُ الْوُجودِ في اللَّيْلِ إِلَى السَّماءِ. ولأَنَّهُ سِرَاجُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

46 (4) ،

وَسِرَاجًا منيرا) والستراجُ يُوقَدُ باللَّيلِ، وأنشد في ذلك:

قُلْتُ: يَا سَيِّدِي فَلِمَ تُوثِرُ اللَّيْ لَ عَلَى بَهْجَةِ النَّهَارِ الْمُنِير قَالَ لَا أَسْتَطِيعُ تَغْبِيرَ رَسْمِي هَكَذَا الرَّسْمُ فِي طُلُوعِ الْبُدُور نَّمَا زُرْتُ فِي الظُّلامِ لِكَيْمَا يُشْرِفَ اللَّيْلُ مِنْ أَشِعَةِ نُورِي (5) ولَيْلَةُ الإِسْرَاءِ أَفْضَلُ فِي حَقِّ النَّبِي الله مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، لِمَا أُكْرِمَ بِهِ فِيهَا مِنْ خَوَارِقِ العَادَاتِ، ولَيْلَةُ الْقَدْرِ أَفْضَلُ فِي حَقِ الْأُمَّةِ، لِأَنَّ الْعَمَلَ فِيها خَيْرٌ لَهُمْ مِنَ الْعَمَلِ فِي ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةٍ وثُلُثِ سَنَةٍ، وهَذَا بِنَاءً علَى أَنَّ المُرَادَ فِي الآيَةِ حَقِيقَةُ العَدَدِ وقِيلَ: المرادُ التَّكثِيرُ لَا حَقِيقَةُ العَدَدِ، وَصَدرَ بِهِ

(1) في الأصل: وما طاغ سورة النجم 17.

(2) سورة النجم: 18.

(3) سورة الإسراء: 12.

(4) سورة الأحزاب: 46.

(5) الأبيات من الخفيف، المواهب اللدنية، القسطلاني، 13/ 3 - 14.

556