الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٢٦ذَاكَ، وإِنَّمَا أَتَى فَضْلُها فِى الأَحَادِيثِ الصَّحِيحة على سائِرِ لَيَالِي السَّنَةِ بَعْدَ لَيْلَةِ الْوِلادةِ بِمُدَّةٍ، فَلَمْ يُمْكِنْ اجْتِمَاعُهُمَا حَتَّى يَتَأَتَّى بَيْنَهُمَا تَفْضِيل، وتِلْكَ انْقَضَتْ وهَذِهِ بَاقِيَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ نَصَّ الشارع على أَفْضَلِيَّتِها ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلَيْلَةِ مَوْلِدِه، ولا لِأَمْثَالِها بالتفضيل أَصْلًا، فَوَجَبَ عَلَيْنا أَنْ نَقْتَصِرَ على مَا جَاءَ مِنْهُ، وَلَا نَبْتَدِعَ شَيْئًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا القَاصِرَةِ عَنْ إِدْراكِهِ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ مِنْهُ، عَلَى أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا أَفْضَلِيَّةَ لَيْلَةِ مَوْلِدِهِ لَمْ تَكُنْ لَهُ فائِدَةٌ، إِذْ لَا فَائِدَةَ في تَفْضِيلِ الأَزْمِنةِ إِلَّا بِفَضْلِ الْعَمَلِ فِيهَا، وأَمَّا تَفْضِيلُ ذَاتِ الزَّمَانِ الذِي لَا يَكُونُ الْعَمَلُ فِيهِ فَلَيْسَ لَهُ كَبِيرُ فَائِدَةٍ انْتَهَى. وإِنْ قُلْنَا الوِلَادَةُ نَهَارًا فَيَوْمُ الْمَوْلدِ أَفْضَلُ مِن يَومِ البِعْثَةِ، لِمَنِ اللهِ تَعَالَى بِهِ فِيهِ عَلَى الْعَالَمِينَ ووُجُودُهُ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِعْثَتُهُ، فالوُجُودُ أَصْلُ والبِعْثَةُ طَارِئَةٌ عَلَيْهِ، فالمَوْلِدُ أَفْضَلُ لِأَصَالَتِهِ). والله
أَعْلَمُ
ومَعْنَى قوله: "فَوَجْهِي" وَجْه رَسُولِ اللهِ لا الهلال والشَّاعِرُ وَضَعَ الكلامَ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ هُوَ القَائِلُ، حَاشَاهُ عَن الشَّعْرِ. وَكَانَ مَوْلِدُهُ الله في فَصْلِ الرَّبيع، وهُوَ أَعْدَلُ الفُصُولِ، لَيْلُهُ وَنَهَارُهُ معْتَدِلانِ بَيْنَ الْحَرِ والْبَرْدِ، ونَسِيمُهُ مُعْتَدِلٌ بَيْنَ اليُبُوسَةِ والرطوبةِ، وشَمْسُهُ مُعْتَدِلَةٌ بَيْنَ الْهُبُوطِ وَالصُّعودِ، وَقَمَرُهُ مُعْتَدِلٌ فِي أَوَّلِ دَرَجَةٍ مِن اللَّيالي البيض. وينْعَقِدُ فِي سِلْكِ هذَا النِّظامِ مَا هيَّأ الله تعالَى لَهُ مِنْ أَسْمَاء مُرَبِّيهِ، الْوَالِدَةِ والقابلةِ الأَمْنُ والشِفَاءُ، أُمُّهُ آمَنَةُ والقَابِلَةُ الشَّفَاء بالفَتْحِ والشَّدِ، وفِي اسْمِ الحَاضِنَةِ الْبَرَكَةُ والنَّماءُ، وهِي أُمُّ أَيْمَنَ، وفِي مُرْضِعَتَيْهِ الثَّوَابُ وَالْحِلْمُ والسَّعْدُ.
فضي
و "ربيع" الْأَوَّل فِي الشِعْرِ وَجْهُهُ الله شَبَّهَهُ بِالرَّبيع في اعْتِدالِهِ وحُسْنِهِ ورَوْنقِهِ، وَالثَّانِي زَمَانُ الرَّبِيعِ، والثَّالِثُ شهرُ رَبيع، الْمَوْلُود هُو فِيهِ.
ولمْ يَكُنْ الإِسْرَاءُ إِلَّا لِنَبِيئنَا الله له من حيثُ اخْتِراقُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ كلِّهَا إِلَى مَا فَوْقَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وأَيْضًا اخْتَصَّ بِإِحْيَاءِ الأَنْبِنَاءِ لَهُ الله، وصلاته بهم وبالملائكة، واطلاعِهِ عَلَى الجَنَّةِ [210] والنَّارِ ورُكُوبِ البُرَاقِ، وقِيلَ: رَكِبَهُ غَيْرُه مِنَ الْأَنْبِتَاءِ أَيْضًا كَإِبْرَاهِيمَ.
559
256/ 1
(1) شرح المواهب، الزرقاني،
(2) (م، س)، 257/ 1.