الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٢٧وأَسْرَى وسَرَى بِمَعْنى وَاحِدٍ، أَيْ: سَارَ لَيْلًا عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وقِيلَ: أَسْرَى سَارَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيل،
وسرَى سَارَ مِنْ آخِرِهِ، وقَالَ الحَوْفِي (1) أَسْرَى لَيْلًا وسَرَى نَهَارًا (2).
وفيه بُعْد، والباء لِلْمُصَاحَبَةِ، وذَلِكَ أَنَّهُ صاحَبَهُ اللهُ بأَلْطَافِهِ وعِنَايَتِهِ، كَمَا قَالَ: ((أَنْتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ) () والْجُمْهُورُ أَنَّها لِلتَّعْدِيَةِ أَي صَيَّرَهُ سَارِيًا، ولا يَصِحُ هنا لِأَنَّهُ تَعَدَّى بِالْيَاءِ هُنَا. وَقَالَ: "سُبْحَانَ تَنْزِيهًا عَمَّا يَتَوَهَّمُ الجَاهِلُ مِنَ الْجِهَةِ والْحَدِ والمَكَانِ، وَعَنْ التَّنْقُلِ مِن مَكَّةَ إِلَى الشَّامِ وَإِلَى الْعَرْشِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْمَخْلُوقِ وأَمَّا الْخَالِقُ فَنِسْبَةُ الأَمْكِنَةِ إِلَيْهِ
واحِدَةٌ، وَكَأَنَّهُ أَسْرَيْنَا بِهِ لِنُرِيَهِ عِيَانًا مَا خَفِيَ مِنَ الْآيَاتِ، لَا إِلَيَّ لأَنِّي لَا يَحُدُّنِي مَكَانٌ.
ولا خِلَافَ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ لَيْلًا لا نَهَارًا، ونَكَّرَ لَيْلًا لِتَقْلِيلِ المُدَّةِ، أَيْ: بَعْضًا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ، والْعَرَبُ تَقُولُ أَسْرَى لَيْلًا إِذَا سَارَ فِي بَعْضٍ، وأَسْرَى لَيْلَةً إِذَا سَارَ لَيْلَهُ كُلَّهُ، وَقِيلَ يُقَالُ: أَسْرَى لَيْلًا إِذَا سَارَ مِنْ أَوَّلِهِ.
واعترضَ دَعْوَى أَنَّ التَّنْكِيرَ لِلتَّقْلِيلِ بِأَنَّ التَّنْكِيرَ لِلتَّقليل لا يَكُونُ إِلَّا فِيما يَقْبَلُ القِلَّةَ والكثرَةَ،
واللَّيْلُ لَا يَقْبَلُها، وبأَنَّ البَعْضِيَّة تَحْصُلُ ولَوْ مَعَ التَّعرِيفِ نَحْوَ: سِرْتُ اللَّيلَ، أَيْ: فِي بَعْضِهِ. وقَرَأَ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ مِنَ اللَّيْلِ" وهِي لِلتَّبعيض، قِيلَ: أَوْ لِلْابْتِدَاءِ، وَيُبْحَثُ فِيهِ بِأَنَّ الإِبْتِدَاءَ فِي الزَّمانِ يُعْتَبَرُ فِيهِ الإِنْتِهاءُ فِيهِ، ولا يُعْرَفُ فِي الْآيَةِ اعْتِبَارُ مَعْنَى قَوْلِكَ أَسْرَى بِهِ مِن اللَّيْلِ إِلَى النَّهَارِ. والْمَعَارِيج لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ عَشْرٌ، سَبْعٌ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ والثَّامِنُ إِلَى سِدْرَةِ المُنتَهَى، والتَّاسِعُ إلى المستوى الذِي سَمعَ فِيهِ صَرِيرَ الأَقْلَامِ فِي تصَارِيفِ الأَقْدَارِ، والعَاشِرُ إِلَى الْعَرْشِ (؟)، فَكَمَا أَنَّهَا عَشَرَةٌ كَانَتْ سِنُوهُ بَعْدَ الْهَجْرَةِ عَشْرًا.
(1) الحوفي: علي بن إبراهيم بن سعيد، من قرية شبرا من حَوْفِ بلبيس، كان نحويّاً قارئا، صنف البرهان في تفسير القرآن، الموضح في النحو،
ت: 430 هـ. بغية الوعاة، السيوطي، 140/ 2.
(2) شرح المواهب، الزرقاني، 20/ 8. (3) صح مسلم، حَدِيث (425). (4) شرح المواهب، الزرقاني، 20/ 8 - 21. (5) المواهب اللدنية، القسطلاني، 17/ 3.
560