الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٣٢وإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يمْلَأُ الطِّسْتُ بالإيمانِ؟ قُلْتُ: ذَلِكَ تَمْثِيلٌ مَجَازِيِّ أَوْ تَمْشِيلُ الْمَعَانِي، وَقَعَ
كَثِيرًا، وَأَجَازَ قَوْمُنا تَجَسُّدَ الْمَعَانِي، وجعَلُوا مِنْهُ تَمْثِيلَ الْمَوْتِ بِالْكَبْش ووَزْنَ الْأَعْمَالِ، وَفَائِدَتُهُ كَشْفُ الْمَعْنَوِي بِالْحِسّي. والْبُخَارِي رِوَايَةٌ أُخْرَى بِطَسْتِ) مُلِئَ حِكمَةً وإِيمَانًا)) (1) ويُروى: ((بِطَسْتِ ملآن)) (() ويُرْوَى: ((مُلأَ إِيمَانًا وحِكمَةً)). وفِي الْحَدِيثِ إِفَادَةُ أَن لَا أَجَلَّ مِن الحِكمَةِ بَعْدَ الإِيمَانِ، وهِيَ وَضعُ الشَّيْء في مَوْضِعِهِ، أو الْفَهْمُ فِي كِتَابِ اللهِ، وعَلَيْهِ فَقَدْ تُوجَدُ الْحِكْمَةُ بِلَا إِيمَانٍ، وَقَدْ لَا
تُوجَدُ (3).
وفي روايَةٍ لِلْبُخَارِي: (ثمَّ جِيءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئِ حِكْمَةً وإِيمَانًا فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ))) وقالَ: ((بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ))) بِالتَّذْكِيرِ لِتَأْوِيلِ الْبُرَاقِ.
وحِكْمَةُ كَوْنِهِ أَبْيَض ودونَ الْبَغْلِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الرُّكوبَ كان فِي سِلمِ وأَمْنٍ، لَا فِي حَرْبٍ وخَوْفٍ، ولإظْهَارِ خَرْقِ العَادَةِ بِوُقُوع الإِسْرَاع جدًّا، وقطع الْمَسَافَةِ البَعِيدَةِ جِدًّا بِدَابَّةٍ لَا تُوصَفُ بِذلِكَ عَادَةً.
وأبو حمزة كُنْيَةُ أَنَس. والبراق بالضَّمّ، وزَعَمَ بَعْضُ أَنَّهُ بالكَسْرِ، وظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ سَرَى إِلَى
السَّماءِ بالبُرَاقِ، وَلَيْسَ مُرَادًا.
وقَالَ النّعماني: لَا مَانِعَ مِنْ عُرُوجِهِ بهِ إِلَى السَّمَاءِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ).
قُلْنَا: يَمْنَعُهُ مَا ثَبَتَ مِنْ أَنَّهُ رُبِطَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ.
ومَعْنَى اسْتَفْتَحَ: طَلَبَ فَتْحَ السَّماءِ، إِمَّا بِقَرْعٍ، وهوَ الظَّاهِرُ عِنْدَهُمْ، أَوْ بِصَوْتٍ، فَيُقَالُ: لَوْ كَانَ بِصَوْتٍ لَمْ يَقُلْ لَهُ مَنْ هذَا؛ لأَنَّهُ يَعْرِفُهُ بِصَوْتِهِ. وفِي لَفْظُ لِمُسْلِمٍ عنْ ثابث عَنْ أَنَسٍ: ((فَقَرَعَ الْبَابَ))
(1) صحيح البخاري، حديث (3207). (2) في شرح المواهب: للمستملي وللحموي. (3) شرح المواهب، الزرقاني، 29/ 8. (4) صحيح البخاري، حديث (349).
(5) (م، س)، حديث (3207). (6) شرح المواهب، الزرقاني، 30/ 8.
565