الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٤١إِذْ مَجِيتُهُ فَجْأَةٌ كمَا قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ فِي الحظِيم))
ولَوْ كَانَ عَلَى مَوْعِدٍ وَانْتِظَارٍ لأَتَاهُ مِنَ الْبَابِ، وَلِأَنَّ نُزُولَهُ مِنْ السَّقفِ مُنْشَقًا لنُزُولِهِ، والْتِقَامُهُ فِي الْحَالِ، خَرْقُ عَادَةٍ وَتَقْوِيَةٌ لِقَلْبِهِ، وإِعْظَامٌ
لِأَمْرِ الإِسْرَاءِ.
قيل: وفِي نُزولِهِ [215] مِن جِهَةِ الْعُلُوّ إِشَارَةٌ إِلَى أَنْ يَسِيرَ بِهِ إِلَى جِهَةِ الْعُلُو، لَكِنْ بَعْدَ وُصُولِ
بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
وفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِي: ((أَتَاهُ بَيْنَ الْيَقْظَانِ والنَّائِمِ) () وهَذَا فِي بَدْأَ الْمَجِيءِ، وَأَمَّا بَعْدَ إِخْرَاجِهِ مِن الْمَسْجِدِ وإِرَّكَابِ الْبُرَاقِ، فَعَلَى يَقَظَةٍ تَامَّةٍ.
ويُرْوَى: ((لمَّا اسْتَيْقَظْتُ، خَرَجَ بِي ((أَيْ: زَالَ مَا بِي مِن شِبْهِ النَّومِ، أَوْ إِسْرَاءِ آخَرُ عَقِبَ النَّوْمِ الْخالِص، أَوْ أَرَادَ بِالاِسْتِيقاظ ذَهَابُ مَا فِي قَلْبِهِ مِمَّا يَغِيبُ بِهِ عَنِ الدُّنْيَا، ورُجُوعُهِ إِلَى الْعَالَمِ الدُّنْيَوِي. ولَفْظُ مُسْلِمٍ: ((إِذْ سَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ: أَحَدُ الثَّلَاثَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَأُتِيتُ فَانْطَلِقَ بِي)).
والْمُرَادُ بِالرَّجُلَيْنِ حَمْزَةُ وجَعْفَرُ، كَانَ الله نَائِمًا بَيْنَهُمَا، والْمَشْهُورُ: إِذْ أَتَانِي آتٍ، وَهُوَ جِبْرِيلُ. وفِي رِوَايَةِ شَرِيكَ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْبُخَارِي ومُسْلِم: أَنَّهُ) جَاءَهُ ثَلاثةُ نَفَرٍ، قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ أَوَّلُهُم: أَيُّهُمْ هُوَ؟ قَالَ أَوْسَطُهُمْ: هو خَيْرُهُمْ، فَقَالَ آخِرُهُمْ: خُذُوا خَيْرَهُمْ، وَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ، فَلَمْ يَرَهُمْ حَتَّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرَى فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ، وَتَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وكَذَا الْأَنْبِنَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتَّى احْتَمَلُوهُ).
والنَّفَرُ الثَّلاثَةُ جِبْرِيلُ ومِيكَائِل ويُقَالُ الثَّالِثُ إِسْرَافِيلُ، وفِي رِوَايَةِ الطَّبَرِي: ((فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ومِيكَائِلُ)) وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وأَبُو يَعْلَى. وقَوْلُهُ " أَوَّلُهُمْ هُوَ جبْرِيلُ وإِنَّمَا قَالَ: أَيُّهُمْ هُوَ؟ لِأَنَّهُ نَامَ بَيْنَ
(1) صحيح البخاري، حديث (3207).
(2) صحيح مسلم، حديث (264). (3) صحيح البخاري، حديث (3570). (4) المواهب اللدنية، القسطلاني، 24/ 3.
574