إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٤٤

قَالَ الْقُرْطبي: لَا يُلْتَفَتُ لإنْكَارِهِ؛ لأنَّهُ رَوَاهُ ثِقَاتٌ مُشَاهِيرٌ (1)، وقَدْ ثَبَتَ في "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْ أَنَس عَنْهُ بالا واسِطَةٍ وبِوَاسِطَةِ أَبِي ذَرٌ).

وثَبَتَ شَقُهُ عِنْدَ الْبِعْتَةِ كَمَا مَرَّ، وأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ وأَبُو دَاوُد والْحَارِثِ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، ولِكُلِّ مِنَ المَرَّاتِ الثَّلَاثِ حِكْمَةٌ.

فَالْأَوَّلُ الذِي عِنْدَ حَلِيمَةَ، رَوَى أَنَس: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ الله أَتَاهُ جِبْرِيلَ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْعِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ وَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ فَاسْتَخْرَجَهُ، ثُمَّ شَقَّهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فَقَالَ: هَذَا حَقٌّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، أَيْ: الْمَوْضِعُ الذِي يَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الوَسْوَاسِ لِلنَّاسِ)، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طُسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، بِمَاءٍ زَمْزَمَ ثُمَّ لَأَمَهُ فَأَعَادَهُ مَكَانَهُ، وجَعَلَ الغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ حَلِيمَةَ فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِل، فَجَاؤوا وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ. قَالَ أَنَس: فَلَقَدْ أَرَى أَثَرَ الْمَخِيطِ فِي صَدْرِهِ)). وَكَانَ هَذَا فِي زَمَانِ الطُّفُولِيَّةِ فَنَشَأَ عَلَى أَكْمَلِ الْأَحْوَالِ مِنَ الْعِصْمَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ، أَيْ: وغَيْرِه، وخُلِقَتْ هَذِهِ الْعَلَقَةُ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَجْزَاءِ الإِنْسَانِيَّةِ، خُلِقَتْ تَكْمِلَةَ لِلْخَلْقِ الإِنْسَانِي، ونَزْعُهَا كَرَامَةٌ رَبَّانِيَّةٌ أَبْلَغُ مِنْ خَلْقِهِ بِدُونِهَا، وَأَيْضًا لَوْ خُلِقَ سَلِيمًا مِنْهَا لَمْ يَطَّلِع الآدميونَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَأَظْهَرَ اللهُ عَلَى يَدِ جِبْرِيلَ لِيَتَحَقَّقُوا كَمَالَ بَاطِنِهِ كَمَا بَرَزَ لهم مكمَل الظَّاهِرِ (ة).

ولَعَلَّ هَذَا الشَّقَّ كَانَ سَبَبًا فِي إِسْلَامِ قَرِينِهِ الْمَرْوِي عِنْدَ الْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ: فُضَلْتُ عَلَى الْأَنْبِنَاءِ بِخَصْلَتَيْنِ؛ كَانَ شَيْطَانِي كَافِرًا فَأَعَانَنِي اللهُ عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، وَنَسِيتُ الأُخْرَى))) ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُه: ((هَذَا حَظِّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ)) إِشَارَةً إِلَى حَظِ الشَّيْطَانِ الْمُبَايِنِ، كَالْعِفْرِيتِ الذِي أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ، وَأَمْكَنَهُ اللهُ مِنْهُ.

(1) المفهم، القرطبي، 383/ 1. (2) شرح المواهب، الزرقاني، 48/ 8 - 49.

(3) عبارة: " أَيْ الْمَوْضِعُ الذِي يَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الوَسْوَاسِ لِلنَّاسِ" أضافها المؤلف على الهامش، ليست في

(4) صحيح مسلم، حديث (261).

(5) شرح المواهب، الزرقاني، 49/ 8.

(6) مسند البزار، حديث (7826). (7) شرح المواهب، الزرقاني، 49/ 8 - 50.

577

مسلم.